دخل حذيفة على الخليفة العادل عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، فوجده مهموم النفس باكي العين، فسأله: ماذا يا أمير المؤمنين؟ فأجاب عمر: إني أخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تعظيماً لي، يقول حذيفة: فقلت له: والله لو رأيناك خرجت عن الحق لرددناك، فيفرح عمر ويستبشر ويقول «الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يقوموني إذا اعوججت».

وفي أحد الأيام يصعد المنبر ليحدث المسلمين في أمر جليل فيبدأ خطبته بعد حمد الله بقوله: اسمعوا يرحمكم الله ولكن واحداً من المسلمين ينهض قائماً ويقول: والله لا نسمع والله لا نسمع فيسأله عمر في لهفة ولم يا سلمان؟ فيجيب سلمان ميزت نفسك علينا في الدنيا أعطيت كلا منا بردة واحدة وأخذت أنت بردتين فيحيل الخليفة بصره في صفوف الناس ثم يقول: أين عبد الله بن عمر؟ فينهض ابنه عبد الله قائلاً: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين فيسأله عمر على الملأ: من صاحب البردة الثانية؟ فيجيب عبدالله أنا يا أمير المؤمنين، ويخاطب عمر رضي الله عنه سلمان والناس معه فيقول: إنني كما تعلمون رجل طوال ولقد جاءت بردتي قصيرة فأعطاني عبدالله بردته فأطلت بها بردتي فيقول سلمان وفي عينيه دموع الغبطة والثقة الحمد لله الآن قل نسمع ونطع يا أمير المؤمنين .

وأما الخليفة الأول أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، حين ولي الخلافة فيقول: «أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، ألا إن الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له ألا وإن القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم».

إن الخليفة الأول يريد في أول يوم أن ينزع من صدور الناس أي وهم يجعلهم يضعون الحاكم فوق قدره ومكانه فالحاكم فرد في الأمة وليست الأمة في الفرد.لم تغير الخلافة من جوهر نفسه أو من أسلوب حياته ولم تنسه تواضعه وفضائله في زحمة انتصاراته، لهذا نراه بهذه الكلمات المعجزات يضع في إطار من الذمة والصدق مسؤوليات الحاكم الأمين ويكشف عن جوهر كل حكومة صالحة.

وكما كان الحاكم يعرف واجباته كان المحكومون أيضاً يعرفون واجباتهم بقدر ما يعرفون حقوقهم، لذا نراهم لا يبخلون على حكامهم بكلمة الحق، يقولونها عندما يحسون أن حاكمهم يميل عن الحق فيجهرون بها عالية مدوية إلى أن يعود الحق إلى نصابه.لقد كان الحكم في صدر الإسلام شركة متكافئة بين الحاكم والمحكومين ولكل من الشريكين نصيبه الكامل في الشركة والمسؤولية.

رجاء علي