قال الشيخ : إذا كان المؤمن قد أكرمه الله بالاحتساب عند الشدائد والأزمات، حتى الشوكة تشاك بها قدمه فيكون له فيها اجر ونعيم ورضا في الحياة الخالدة، وإذا كان قد أكرم أيضا بالرضا في كل حال مادامت هذه إرادة محبوبة الأرحم والأحكم، فان الحق سبحانه وتعالى يكرم المؤمن في دنياه أيضا وقبل آخرته بان يدفع عنه ويحمل عنه من وقع الشدة والبلاء، فبقدر رسوخ حقائق الإيمان في قلبه وبقدر سريان محبة ربه في عروقه يحمل عنه من الأذى ووقعه ما لو كان شيء منه على غيره لعجز عن حمله .
فالحق سبحانه وتعالى يدافع عن الذين امنوا ويدفع عنهم الأذى، فان كان لابد منه تداركهم الله بألطافه فخفف عنهم من شدته ومشقته وإيلامه وتبعاته وآثاره، وقصص الصالحين في القديم واليوم تشهد بذلك، حيث مر كثيرون منهم بعظائم المحن والرزايا فصبروا وسلموا أمرهم لله فإذا باللطف الإلهي يتداركهم فتنفرج السبل أمامهم ويجدون قوة على الجلد والتحمل وتقبلا للبلاء والآلام وتأثرا اقل مما يقع فيه الآخرون، حتى تغادرهم محنهم وقد تركت فيهم وفيمن حولهم اقل الخسائر أن لم يفتح لهم أبوابا إلى النور من وسط عتمة البلاء وظلمته.
أشهد أنني التقيت بشخص كان يعاني من مرض عضال في الدماغ وله بنات أكبرهن لم تتجاوز العاشرة، وكنت ان زرته وجدت فيه القدرة على المرح مع ما فيه من الم وهم، فقد كان وجهه يتلألأ بأنوار الإيمان والحب والرضا حتى كانت منية إخوانه قبل موته أن يجتمعوا عنده لما يضفيه معهم على اجتماعهم من جو فرح ومداعبات راقية.
المشكلة أننا نعيش الحياة هنيئة رغيدة فننسى الله إلا قليل منا، ثم إذا داهمتنا الأزمات رحنا نتضرع إلى الله ولكن قلوبنا لا تكون قد هيئت للمحنة كما لو كنا مع الله في السراء قبل الضراء، القلوب المؤمنة الراضية الخاشعة دائما إذا ابتليت كانت صابرة راضية محتسبة وهي اقل تأثرا بالألم والهم لان الحق سبحانه وتعالى نفسه يدفع عن أصحابها ويحمل معهم، وتلك حقائق والله لا تعبر عنها الكلمات وإنما هي تذاق بالسنة القلوب المؤمنة الصالحة .
وهذه المقولة التي نرددها تنطبق على الآلام الجسدية والآلام النفسية وعلى الهموم والأحزان وعلى المصائب والرزايا وعلى الشدائد والمصاعب، فكل هذا يكون أهون واخف أثرا كلما زاد الإيمان في القلوب وشرش الحب في الصدور، أصيب رجل بتليف في الكبد وصل إلى الدرجة الرابعة وهي درجة ما قبل الفشل الكبدي فذهب إلى شيخه مهموما واخبره بما قال الطبيب، فإذا بالشيخ يبتسم ويقول: وما المشكلة في هذا؟ العمر محدود والخاتمة موعودة والمرض قدر من الله أن رضيت به أسعدك فيما بقي من حياتك و في آخرتك، قال: ولكن يا سيدي أخاف من الألم، فأجابه الله يحمل عنك ومعك قال: فان توفاني الله من لأولادي ؟ فضحك الشيخ وقال : وهل أنت اقدر من الله على رعايتهم؟ ثم ان معظم عظماء العالم ربوا أيتاما فقد يفتح الله عليهم بعد رحيلك ما لا يفتحه وأنت بينهم، خرج صاحبنا من عند شيخه وقد انزاح هم ثقيل عن قلبه، فما الذي سيصيبه أو يخسره والله اللطيف القادر على كل شيء معه.
ماهر سقا أميني
