الجميع يشهد له بالكفاءة العلمية والأخلاقية.. إنه الدكتور محمد محمد زناتي أستاذ التفسير وعميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، حيث يحظى بقبول شديد لدى كل من تعامل معه، وذلك لسماحته وبساطته في التعامل، زناتي أيضًا ليس بعيدًا عن المجال الإعلامي حيث هو ضيف دائم ببرنامج «عندئذ نزل الوحي» بالإذاعة المصرية، كما أن له برنامجا آخر بعنوان «قال تعالى» يتم إذاعته يوميًا عبر قناة الأسرة والطفل بالتليفزيون المصري، ولذلك كان لابد من إجراء هذا الحوار معه لمعرفة رأيه حول الأحداث الدائرة الآن والتي تشغل عامة المسلمين داخل البلدان العربية.
هل نحن بحاجة إلى تجديد الخطاب الديني؟
هذا الأمر فيه لغط كبير، وينادي الكثيرون دون وعي وفهم لمعنى الخطاب الديني، وأنا أقول للجميع إذا أريد بتجديد الخطاب الديني الحفاظ على الثوابت الإسلامية من القرآن والسنة ودعائم الشريعة وعرضها بأسلوب عصري يفهم الواقع جيدًا ويخاطب الناس بلغتهم، فهذا أمر ضروري وملح لابد منه لنجاح الدعوة الإسلامية، فليس من المقبول أن نكون في القرن الحادي والعشرين ونخاطب الناس بلغة القرن العاشر، أما إذا أريد من تجديد الخطاب الديني التخلي عن الثوابت وتمييع الحقائق والجري وراء ما استجد في الناس من أعراف وعادات وتقاليد لا تتفق مع الإسلام، فهذا أمر مرفوض ولا علاقة له بالإسلام من قريب أو بعيد.
ولكن علماء الدين يرفضون مخاطبة الناس بأسلوب عصري، وهذا سبب اتهامهم بالجمود.. فما رأيك في هذا الأمر؟
إذا كان هناك اتهام لهؤلاء العلماء بالجمود وعدم التحرر بسبب تمسكهم بالثوابت وحرصهم على أصول الشريعة، فهذا اتهام مرفوض تمامًا، أما إذا كان عرض الحقائق بأسلوب غير مناسب للعصر الذي تعرض فيه وبلغته وعدم مواجهة المشاكل والقضايا المستحدثة فإن هذا هو الجمود بعينه.
وهل هذا الجمود كان سببًا في ظهور ظاهرة ما يسمى بالدعاة الجدد؟
جمود بعضهم وليس كلهم كان مدعاة لظهور علماء الفضائيات من الدعاة الجدد، الذين يعتمدون على الرقائق في طريقة إلقائهم، وليس لهم علاقة بالفقه أو بأصوله، والتي تكون ضرورية لإصدار فتوى صحيحة تعتمد على الكتاب والسنة والاجتهاد وغير ذلك من الأمور الأخرى، وهذا أحد الأخطاء الخطيرة جدًا التي يقع فيه مثل هؤلاء الدعاة.
لغة العرب
مادمنا نتحدث عن التجديد.. البعض يطالب بتفسير عصري للقرآن الكريم فهل نحن في حاجة إلى ذلك؟
القرآن عندما أُنزل نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تختلف من زمان لآخر، ولذلك فليس من الممكن أن ننجح في تفسير عصري للقرآن إلا بالاستعانة بطريقة السابقين في شرح معاني النص القرآني ونزيد عليهم مدلولات القرآن في بعض القضايا الحديثة التي ظهرت آياتها وتفسيرها عن طريق وسائل العلم الحديثة، وكذلك القضايا المعاصرة في الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وشرح آيات القرآن بما يتناسب مع هذه المعطيات.
وماذا عن كتب السنة حيث هناك من يقول إن هذه الكتب مليئة بالمغالطات؟
هذا أمر غير صحيح، وهذه الدعاوى مرفوضة ومردودة على قائليها، والتنقيب في هذه الكتب يفتح باب جهنم على كتب التراث، وليس معنى ذلك أنه لم تكن هناك كتب مغلوطة، ولكن العلماء بذلوا جهدًا كبيرًا لتنقية وتصحيح هذه الكتب من ناحية المتن والسنة، أما الصحيحان للبخاري ومسلم فلا نملك إلا أن نقول إنهما ليس في حاجة إلى تصحيح وتحقيق، فهما أصح كتب السنة على وجه الأرض.
ولكن مازال هناك العديد من الكتب المغلوطة والتي تسيء إلى الإسلام؟
لا شك أن هناك بعض الكتب التي يستند إليها دعاة الفضائيات تحتاج إلى تنقية، وتحقيق في نصوصها وروايتها، وما بها من أحكام حتى يتبين الغث من الثمين، وهذه الكتب يتم التنبيه على أن بها العديد من المغالطات، ولذلك من يأخذ بما بها من أحكام فعليه أن يتحمل الإثم بمفرده.
ما الحكمة من مشروعية الحج؟
الحج هو استجابة لنداء إبراهيم عليه السلام حين قال له ربه (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)، فقال إبراهيم يا ربي وكيف يبلغ صوتي الآفاق، فقال تعالى في حديثه القدسي «عليك الآذان وعلينا البلاغ»، فالحج ركن أساسي من أركان الإسلام يربط هذه الأمة بأبيها إبراهيم عليه السلام الذي أقام القواعد من البيت هو وابنه إسماعيل فهو يربط السلف بالخلف، كما أنه استجابة لنداء المولى عز وجل لقوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا».
أهمية فريضة الحج
وما فضل هذه الفريضة عن غيرها من العبادات الأخرى؟
أنت تقصد أهمية فريضة الحج بين الأركان الأخرى، فهو يجب في العمر مرة واحدة وذلك لمشاق السفر والانتقال والتكلفة وتطهير النفوس، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، وبزيارة بيت الله وأداء الشعائر تغفر الذنوب، إلا الذنوب المتعلقة بالمولى عز وجل، كما أن للحج ميزة معينة في غفران الذنوب، وفي يوم عرفة، يوم تتنزل فيه الرحمات، وتغفر فيه الذنوب.
هناك مطالبات في الفترة الأخيرة بالحج مرة واحدة والتبرع بقيمة الحج لأكثر من مرة للفقراء والمحتاجين، فكيف ترى هذا الأمر؟
الإسلام حين فرض الحج فرضه مرة واحدة في العمر، فإذا أدى الإنسان هذه المرة أدى الفريضة، ولا مانع من تكرار فريضة الحج عند إمكانات تحقيقها، وإن كنت أرى أن حكم تكرار الحجج يتغير بتغير الزمان، ففي أيامنا هذه يفضل أن يكون الحج مرة واحدة، ومن كانت عنده إمكانات الحج لأكثر من مرة، فالأولى به أن يتبرع بنفقات هذا الحج للفقراء والمحتاجين، وتجهيز اليتامى للزواج أو للسكنى المناسبة أو التعليم، خصوصًا عندما يكون الزحام شديدًا لأداء هذه الفريضة.
شروط التجارة
وما شروط التجارة المباحة في الحج؟
التكسب في موسم الحج جائز شرعًا شريطة ألا يخالف ذلك اللوائح والقوانين في المملكة العربية السعودية، وقد ثبت أن الصحابة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن قيام الفقراء بخدمة الحجاج أثناء أدائهم الفريضة، وفي ذلك نوع من أنواع التكسب فأنزل الله قوله تعالى (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم).
وما الآداب التي يجب أن يتمتع بها الحاج؟
المولى عز وجل يقول (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، ولذلك يجب على المسلم الابتعاد عن هذه النواحي لأنها من الآداب العامة، فضلاً عن ذلك يجب التعامل برحمة مع غيره من الحجاج، وعدم التزاحم لأداء المناسك، بالإضافة إلى ذلك الالتزام بأركان وشروط الحج.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

