على الدرج الأول في سلم الحياة العاصف، يجلس هذه الأيام تلاميذ الصف الأول، يخطون المشية الأولى نحو عالم من المتغيرات، يدشنون رحلة تكوين المفاهيم، ينزلقون في دوامة من الأسئلة اللا منتهية، قد لا تحتمل رؤوسهم الصغيرة فكرة التغيير الذي ينتظرهم، وقد يلخصه النظام الذي يقتحم حياتهم ولا يبرحها، الاعتياد على تبرية الأقلام.. وترتيب الكتب.. النوم باكراً، الجلوس على المقعد ذاته أمام الطاولة ذاتها جزء من رحلة خلق النظام النفسي، وتجميل الوجه البشع لفكرة التغيير.
في المنزل يمارس الوالدان الفكرة ذاتها بطرق أكثر تدليلاً، عبر أسئلة فضولية لتخفيف وطأة الحدث.. بينما يتمنَّع الأطفال عن الإجابة حتى إشعار آخر. تبدو إعادة ترتيب الأوراق عادة تُحدث ضجيجاً عالياً، سيما إن خُطَّت حروفها بحبر فاقع.
في رحلة التغيير.. يتفيأ التلاميذ تحت ظل شجرة المعلم الأول، وبسماد أفكاره ينمون.. حتى يشتد عودهم وتنضج ثمار معرفتهم، هم ما زالوا إلى جداره يستندون، ثم ما تلبث الحياة أن تعصف بهم نحو أفق آخر، يختبئ خلفه عالم غير الذي أدركوه، فلا شجرة ولا ظل، أو هكذا خُيِّل إليهم.. بل عالم أكثر اتساعاً.. وبشراً يشاطرونهم ما ظنوا أنه لهم وحدهم، هنا يخضع الاتزان لفيروس يُضعف مناعته وتتضاءل أعداد أجسامه المضادة.. وقد لا تورق الثمار و تيبس الأوراق.. وتمر أزمنة بانتظار فصول أكثر إزهاراً. أو شجرة أورف ظلالاً يمارسون النمو على أعتابها مجدداً.
مرة أخرى، يُجبرون على النزول في محطة أبعد عن تلك التي شهدت ولادتهم. يثورون فيها على ذواتهم، وعلى من اتكأوا عليهم للوقوف باتزان ذات يوم، مراهقة الحياة.. تلك صورة بشعة للتغيير، تتذبذب على صفحتها موجات الفرح والخيبة حتى يُخلق نظام آخر، تستقيم به المشاعر مجدداً.
يحيا بنو البشر تحت وطأة التغيير بصورة يومية، تتفاوت درجاته حسب تأثيره والحديث عنه موصول بمساحة الفرح التي يُخلِّفها.. أو الخذلان الذي يُطيح بسقف التوقعات، ببساطة يمكن وصف ما يحدث بثورة داخلية، فكل ما يرسم ابتسامة أو يُسيل دمعة.. أو يعقد حاجبين هو تغيير، ولكننا نستشعره فقط عندما لا يوافق أهواءنا، الغريب أنهم «بنو البشر» ما زالوا يُفاجأون بتأثيره وإفرازاته في حياتهم، حتى وإن خطبوا ودَّه مسبقاً، وكانت النتيجة رفضاً.
في مراحل النضج، يبقى التغيير قاعدة تلازم تحركات الأفراد أياً كانت قراراتهم في الحياتين المهنية والعائلية، ورغم مرور 30 عاماً على زواج أثمر عائلة ممتدة تبقى فكرة التأقلم على التغيير الذي أحدثه الزواج في حياة الزوجين غير ممكنة، أي بالعربي حياة زوجية مضطربة، لأن رياح التغيير تعصف بمكوناتها، طبيعي، في علم النفس كل حدث جديد أو تغيير على المستوى العائلي أو المهني أو العاطفي يُقابَل بمقاومة متفاوتة الحدة، ويرتبط كل من التغيير والمقاومة بعلاقة طردية.
شراكة
إدارة التغيير علم قائم بحد ذاته، أصبح مؤخراً من أكثر التخصصات المطروقة، فاجتهد في دراسته وممارسته المديرون والتنفيذيون في إداراتهم، ولعل صعوبته تكمن في المقاومة التي يُبديها الموظفون أو المُستهدفون حيال التغيير باعتباره حدثاً يخترق الروتين اليومي، ويخلق نظاماً جديداً قد يبعث إحساساً بالإخفاق لديهم، وبحسب مبادئ إدارة التغيير فإنه يتعين إشراك الموظفين في عملية التغيير في كافة مراحله، لتقليل حدة المقاومة وامتصاص الإحساس بالغبن أو الظُلم أو الصدمة التي يُحدثها التغيير.
ويقترح علم إدارة التغيير أربعة مفاتيح لنجاح عملية تطبيق تغيير أو تحول سلس في منظمة أو إدارة ما، أولها التزام جماعي بإتمام عملية التغيير بصرف النظر عن الضغط المصاحب لها، تليها ضرورة تحديد رؤية واضحة ومشتركة باعتبارها قصة كفاح تعود بالنفع على المؤسسة بأكملها، كما ترتبط القدرة على الإنجاز بوفرة المال والوقت كعاملين أساسيين، وأخيراً يجب إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بصورة دائمة، للتحقق من إتمام الخطط وأداء المهام بصورة لا تغيب عنها الشفافية.
يبدو أن التغيير مفهوم ينضوي تحته فعل التجريب، الذي يزيد من مقاومة الأفراد لآثار التغيير، باعتباره يخلق نظاماً هشاً يحتمل السقوط أو التهاوي في أي لحظة، لأسباب أهمها ضعف الثقة بما يمكن تحقيقه من مكتسبات في ظل رؤية ضبابية. وبعيداً عن النظريات، يبقى التحول في حياة الأفراد مرتبطاً بصفاتهم وتفاعلهم مع أحداث الحياة وأشخاصها المؤثرين.
وقفةً.. لتجنب النتائج السلبية لأي تحول أو تغيير يُنصح بإغراق النفس في فعل ما تحب، القراءة أو الكتابة أو الانزلاق نحو تغيير جذري آخر، للحفاظ على صفة الاتزان والصفاء الإنساني بين هدوء يسبق العاصفة، ونفس تُسيطر عليها العاطفة، خاصة والتأقلم مع التغيير يظل سنة الحياة والكائنات جميعاً.. «يقول عالم الحيوان دارون ليست السلالة التي تبقى هي الأقوى أو الأذكى.. بل تلك التي تُبدي استجابة مع التغيّرات».
أمل الفلاسي
