إن أول من سمى زوجات النبي رضوان الله عليهم أمهات المؤمنين هو النص القرآني الكريم الذي أتى في سورة الأحزاب فيقول تعالى: ؟النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم..؟ الأحزاب آية 6.
مكانة خاصة لأمهات المؤمنين في الدنيا والآخرة:
وقد أكرم الله تعالى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بأن جعل لهم الأجر مضاعف في حسناتهم كما جعلهم أمهات لكل المؤمنين والمؤمنات.
وشخصيتنا اليوم هي إحدى أمهات المؤمنين والمؤمنات اللاتي اشتهرت بحفظها لكتاب الله تعالى عن ظهر قلب، وليس ذلك فحسب؛ بل كانت سببا رئيسياً في حفظ الصحف التي كُتبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم......
فقد اُختيرت السيدة حفصة من بين أمهات المؤمنات جميعاً ـ وفيهن عائشة ـ لتحفظ النسخة الأولى للمصحف الشريف...
مؤمنة مسلمة منذ الصغر:
عاشت السيدة حفصة حياة الإيمان والتوحيد منذ أن وعت لهذه الحياة فرسخ الإيمان في قلبها وتوطدت معانيه، فكانت نعم المسلمة المؤمنة ولما بلغت سن الزواج تزوجها الصحابي الجليل «خُنيس بن حُذافة» الذي شهد الهجرتين، وشارك في غزوة أُحد ثم ما لبث أن استشهد إثر جرح عميق أصابه في الغزوة...
الأرملة التقية:
وترملت التقية المؤمنة حفصة بنت عمر وهى في سن الثامنة عشر..! وتألم عمر بن الخطاب أبوها لهذه المأساة التي لحقت بابنته ورملتها وهى مازالت في ريعان شبابها.....وأسكنت في قلبها الحزن....
فأخذ يفكر بعد انقضاء عدتها في أمرها، من سيكون زوجا لابنته؟.
وقد أكرم الله تعالى عمر بن الخطاب بزواج ابنته من خاتم الأنبياء والمرسلين...
الزواج الميمون:
وبذلك تحققت فرحة سيدنا عمر بن الخطاب وابنته حفصة، وبارك الصحابة يد رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهي تمتد لتكرم عمر بن الخطاب بشرف المصاهرة منه عليه الصلاة والسلام، وتمسح عن حفصة آلام الترمل والفرقة. وكان زواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحفصة سنة ثلاث من الهجرة على صداق قدره 400 درهم،وسنها يومئذ عشرون عاما.... وبهذا الزواج ينال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ شرف مصاهرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويرى نفسه أنه قارب المنزلة التي بلغها أبو بكر من مصاهرته من ابنته عائشة، وهذا هو المقصود والله أعلم من تفكير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخطبته لحفصة بنت عمر رضي الله عنها.
حفصة في بيت النبوة
عاشت السيدة حفصة في بيت النبوة، وكانت ذكية عاقلة، تعلمت القراءة والكتابة علي يد صحابية جليلة هي السيدة الشفاء بنت عبدالله وقد شجعها الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ علي التعلم، فكان ذلك هو طريقها إلى قراءة كتاب الله وحفظ آياته.
سنوات في كنف الحبيب:
خلال السنوات التي عاشتها السيدة حفصة رضي الله عنها في كنف النبي صلى الله عليه وسلم، تعلمت من نبيل شمائله وكريم صفاته، ما دفعها إلى نقل هذه الصورة الدقيقة من أخلاقه وآدابه سواءٌ ما تعلّق منها بهديه وسمته، أو منطقه وألفاظه، أو حتى أحوال عبادته... فنجدها تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر: الاثنين والخميس، والاثنين من الجمعة الأخرى..
وتقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده وقال (رب قني عذابك يوم تبعث عبادك) ثلاث مرات.
وقد شهد لها جبريل بصلاحها وتقواها، وذلك حينما طلب من النّبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها بعد أن طلّقها تطليقةً، وقال له: (إنها صوّامة، قوّامة، وهي زوجتك في الجنة) رواه الحاكم، والطبراني
كل العام عندها رمضان:
أخلصت السيدة حفصة رضي الله عنها لعبادة ربها وأعطتها جل وقتها، خاصة بعد وفاة رسول الله فلم يعد لديها زوج ولم يكتب الله لها أن تنجب، فكانت صوامة قوامة عابدة متصدقة وكانت كل شهور العام عندها رمضان ـ حتى انها امتنعت عن الخروج مع عائشة في الجيش المطالب بدم عثمان، إلى أن توفيت في أول عهد معاوية بن أبي سفيان سنة إحدى وأربعين بالمدينة عام الجماعة، وهي يومئذ ابنة ستين عاماً أو ثلاث وستين......
فصلّى عليها جمع غفير من المسلمين، وشيعها أهل المدينة إلى مثواها الأخير في البقيع مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن..
جيهان محمود