انطلاق القناة الفضائية الإخبارية الروسية «روسيا اليوم» في الرابع من مايو عام 2007 من موسكو باللغة العربية، والموجهة على الأقمار الصناعية «نايل سات» و«الأوروبي» و«بدر» إلى العرب في كل أنحاء العالم، حدث يستحق الوقوف عنده ودراسته والتأمل في دلالاته وتداعياته، وهي قناة روسية خالصة. فالقائمون على القناة معظمهم من الروس الناطقين باللغة العربية وبشكل جيد جدا، ومعهم بعض العرب، كما أن معظم ضيوف القناة من الروس وكثيرون منهم يتحدثون العربية بطلاقة.

توجه مختلف

توجه الإعلام الروسي إلى العرب يأتي مختلفا تماما عن توجه أي إعلام أجنبي آخر، فالقناة الروسية حسبما اتضح من بداياتها ونوعية البرامج والمواد المقدمة عليها لا تحمل أية توجهات أيديولوجية أو سياسية، بل تقدم رسالة إعلامية بحتة تسعى من ورائها إلى سد العجز والنقص الكبير في المعلومات حول روسيا لدى المشاهد العربي، هذا المشاهد الذي لايزال يعاني بشكل كبير من رواسب وميراث إعلام الحرب الباردة الماضية والتي شوهت إلى حد كبير فكرة وتصور العرب عن روسيا ولاتزال آثارها قائمة حتى الآن، وربما كان هذا أحد الدوافع الأساسية لتأسيس هذه القناة.

لا يستطيع أحد أن ينكر مدى تأثر الإعلام العربي المرئي والمقروء والمسموع بالغرب وإعلامه، ويستطيع أي فرد عادي أن يلاحظ هذا التأثر بمطالعته لمصادر المعلومات والأخبار في إعلامنا العربي، حيث يلاحظ السيطرة التامة لأربع أو خمس وكالات أنباء غربية لا أكثر على عقل المواطن العربي لا يرى العالم إلا من خلالها، فإذا وقع حدث كبير في روسيا أو الصين أو أفريقيا أو أميركا اللاتينية فإن المواطن العربي لا يعرف عنه شيئاً إلا من خلال هذه الوكالات الأربع، والتي بالطبع تنقل الأحداث لوسائل إعلامنا مغلفة بوجهة نظرها وممزوجة بتوجهاتها، حيث إنه يمكن القول إن المواطن العربي لم يسمع عن روسيا خلال الأعوام السبعة الماضية أي خبر إيجابي.

الحرب الإعلامية

لقد قررت روسيا أن تخوض الحرب الإعلامية الموجهة ضدها على الساحة الدولية والساعية لتشويه صورتها بهدف الحيلولة دون تطوير علاقاتها بالعرب، مستخدمة في ذلك السلاح الحديث الذي ثبت مدى فاعليته وتأثيره وهو الإعلام الفضائي.

هذا السلاح الذي يستخدمه الغرب مع العرب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 بشكل مكثف من خلال فضائيات عربية وأجنبية تبث من داخل أو خارج الوطن العربي إرسالا يحمل في معظمه عوامل إثارة الاضطرابات والفتن والقلاقل وتأجيج الصراعات والخلافات بين طوائف وفئات المجتمعات العربية، إعلام يلعب على مشاعر ومعاناة ومشاكل المواطن العربي ويصور مجتمعاتنا بتاريخها وحاضرها ومستقبلها بكل ألوان السواد والتخلف والجهل والانحطاط، بينما يصور لنا الغرب بألوان وردية وبصورة حضارية ليفرض علينا الخضوع والتبعية الدائمة.

بوتين ومبارك

الفضائية الروسية العربية بدأت إرسالها برسالة واضحة بينت فيها أنها لا تسعى للإثارة واللعب على مشاعر ومعاناة المشاهد العربي، ولا تسعى للفرقة والفتنة وإثارة القلاقل والاضطرابات، وبدأت إرسالها في اليوم الأول بسبق إعلامي تليفزيوني جديد تجسد في الاتصال التليفوني المباشر بين الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين والرئيس المصري حسني مبارك، والذي تبادل فيه الرئيسان التهاني بافتتاح القناة الجديدة وبعيد ميلاد الرئيس المصري، هذا الاتصال الذي يعد سابقة فنية تنفرد بها القناة الروسية.

وتم تصوير الاتصال التليفوني بين الرئيسين الروسي والمصري على الهواء مباشرة من موقع اتصال الرئيسين، ويعكس توجه الفضائية الروسية في التعامل بحيادية تامة تجاه المجتمعات العربية، وعدم اتباع أساليب الفضائيات الأخرى في إثارة الشعوب العربية على أنظمتها الحاكمة، وأذكر هنا كلمة قالها رئيس إحدى الفضائيات الأجنبية الموجهة بالعربية من الغرب في يوم افتتاح قناته هذه حين قال: «إن معيار نجاحنا يقاس بمدى غضب الحكام العرب علينا، فكلما زاد غضبهم علينا كلما زاد نجاحنا»، أما قناة «روسيا اليوم» فعلى ما يبدو أنها ستربأ بنفسها عن التدخل في شؤون المجتمعات العربية الداخلية وعن اللعب على مشاعر ومعاناة الشعوب.

روسيا والإمارات

وفي أبوظبي التقى احمد شبيب الظاهري النائب الأول لرئيس المجلس الوطني الاتحادي في دولة الإمارات مع حيدر أغانين رئيس تحرير قناة «روسيا اليوم»، وقال الظاهري إن دولة الإمارات تعمل على تهيئة الأجواء الملائمة لعمل مراسلي جميع المؤسسات الإعلامية العربية والدولية بهدف خدمة قضايا الإمارات والقضايا العربية والمنطقة ولتكون هي همزة الوصل بين الدولة ومختلف دول وشعوب العالم.

وجرى خلال اللقاء بحث سبل واليات تعزيز التعاون بين المجلس الوطني الاتحادي وقناة «روسيا اليوم»، وأعرب الظاهري عن تقديره وإعجابه بتوجّه المسؤولين عن هذه القناة في تعزيز علاقاتهم مع الدولة العربية وخاصة دولة الإمارات وإطلاق هذه القناة التي تخاطب الناطقين باللغة العربية في روسيا وفي مختلف أرجاء العالم لمد جسور التواصل بين العالم العربي وروسيا الاتحادية.

وقال رئيس تحرير قناة روسيا اليوم: إن زيارته للدولة تستهدف التعرف على طبيعة عمل النظام السياسي في الدولة كنموذج متميز للحكم من خلال زيارة إمارات الدولة جميعها ولقاء المسؤولين في الدولة والتعرف على طبيعة عمل مختلف المؤسسات الحكومية والعاملة في القطاع الخاص لتعزيز التعاون مستقبلا في جميع المجالات.

وأكد حيدر أغانين أن المسؤولين في قناة روسيا اليوم حريصون على زيارة دولة الإمارات لما تحظى به من إعجاب واحترام من مختلف دول العالم، لما تتسم به سياستها الداخلية والخارجية من حكمة واتزان وتسخيرها جميع الإمكانيات لخدمة الوطن والمواطنين والتعامل مع مختلف القضايا الخارجية بكل اعتدال ولما تتمتع به من مكانة مرموقة وموقع رفيع في النظام العالمي.

لقد آن الأوان لتصحيح الأفكار وتقديم صورة روسيا الحقيقية للمواطن العربي، وها هي قناة «روسيا اليوم» نموذج وبداية لتوجه جديد من الروس نحو أصدقائهم العرب لعلهم ينتبهون ويفيقون من تأثيرات الإعلام الغربي.

د. مغازي البدراوي