جميل من المسلم أن يبني بيته وحياته الزوجية على المودة والحب بينه وبين زوجته كي ينعكس ذلك على الأبناء الذين ينشأون على حبهم لآبائهم وإخوانهم بالضرورة، ولذلك تجد تلك الأسرة المتحابة يسودها التفاهم في كل أمر من أمور الحياة، ومن النادر أن تجد مشكلة تستعصي على الحل أو تستمر فترة طويلة من الزمن بين أفرادها.

فالزوجة الصالحة المحبة لزوجها ولمعيشته والقانعة بما قسمه الله لها، تتحمل معه ظروف الحياة ولا تكثر الشكوى أو تظل تئن إذا لم يحضر لها الزوج ما تريده في الحال إن كان في ضائقة مالية، فهي رضيت به زوجاً وتعرف أحواله قبل الزواج، لذلك تجدها تقف إلى جواره وتساعده إن كانت تملك من المال الكثير.

وسنجد الزوج المخلص المحب لزوجته يقدّر لها موقفها ويزداد حبه لها ويحاول أن يعمل ويعمل كي يعوضها ويضفي السعادة عليها وعلى أولاده.يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم القلب لكل ذي قربى، ومسلم عفيف متعفف ذو عيال».

والزوج الموفق هو الذي يعرف الجميل لزوجته ولا ينكره إذا تحسنت أحواله ويلعب الهوى والشيطان بفكره ويجعله على أقل مشكلة يترك البيت ويترك أسرته ويذهب ليقضي وقته مع شلة الأنس التي تبعده عن الطريق الصحيح.

الإنسان العاقل هو الذي لا يقف عند كل هفوة قد تصدر من زوجته ويشعل البيت ناراً وينسى حبه وأولاده. وهنا يأتي دور المعروف الذي هو أعم من المودة القائمة على الحب. فالمعاشرة بالمعروف تكون على من أحب ومن كره، أي أنها أشمل من المودة، كما قال مولانا الشيخ الشعراوي. قال تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيراً).

فلا يجعل الإنسان الكره يؤثر على ما أراده الله فيها من خير، فقد أعطى الله إحداهن الحكمة، وأعطى الأخرى الحرص على مال زوجها، بحيث تكون أمينة عليه وعلى بيته، فإذا رأى الزوج أن الزوجة قد تقصر في إثارته الجنسية لانشغالها بالأولاد، فلا يغضب ويقيم الدنيا ولا يقعدها، وعليه ألاّ ينسى القيم الإسلامية التي تتحلى بها الزوجة. ولذلك قال الحسن: «زوّج ابنتك للتقي، إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها».

فإذا اشتدت الزوجة مرة على زوجها وانفعلت عليه في موقف من المواقف، فهي إنسانة لها أحاسيسها ومشاعرها، فلا يغضب على الفور ويعاملها بقسوة قد يصل فيها إلى الضرب المبرح.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».

وليتذكر الزوج أنه عاش معها لحظات سعيدة. قال تعالى: (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ). فمن العدل أن يقول مولانا الشيخ الشعراوي أن يأخذ كل واحد حقه، لكن هناك شيئا أحسن من العدل، وهو الفضل والكرم، فيعفو مرة ومرتين ولا يتوقف عند أول مشكلة، بل يستمر في معاشرة زوجته بالمعروف ولا يغتر عليها وعلى أولاده، ولا ينسى عشرتها الطيبة معه ووقوفها معه وصبرها عليه ورضاها بمستوى المعيشة معه دون تبرم أو ضجر.

لذلك، على الإنسان أن يدقق في اختيار الزوجة الصالحة قبل أن يرتبط بها، فلا يختار الأنانة التي تكثر الشكوى، أو المنانة التي تتكبر على زوجها إذا كانت ميسورة الحال عنه أو تتمتع بقدر كبير من الجمال. وهنا أذكر هذه الطرفة، فقد قالت زوجة لزوجها الأعمى: آه لو رأيت جمالي. فقال لها: لماذا تركك المفتحون إذن؟!

ولا يرتبط الإنسان بالزوجة التي رأت شيئاً تريد أن تشتريه مهما كلف الزوج من ثمن ولا يرتبط بالبراقة، أي الأنانية، التي تريد أن تخلو بنفسها بالطعام، ولا الشدّاقة، أي الثرثارة كثيرة الكلام، وإنما يبحث عن الزوجة الصالحة التي تعيش في أسرة صالحة ترضى باليسير وتعمل على إسعاد زوجها وأولادها.

على الزوج العاقل أن يرضى بزوجته إذا رأى فيها اعوجاجاً قوّمه بطريقة مهذبة دون إهانة لها، فالمرأة خُلقت من ضلع، وأن أعوج ما في الضلع أعلاه، قيل في ذلك هو لسانها. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حليماً حسن العشرة مع زوجاته ليضرب المثل في تحمل الزوجة، فكان يصبر عليهن ويوجههن بطريقة حسنة، فكان يقول للسيدة عائشة رضي الله عنها إذا رضيت قلت: لا ورب محمد. وإذا غضبت قلت: لا ورب إبراهيم. ولنا في السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين المثل والقدرة في معاملتهم لأزواجهن وإظهار الحب إليهم مهما بدر منهم.

يروى أن رجلاً تزوّج بامرأة ذات جمال، وقبل الزفاف أصيبت بالجدري، فاستحمل الرجل ذلك وخاف ألا يحزن أهلها، فادعى أنه أصيب بالرّمد وأنه لم ير، وظل يعاشرها حتى توفيت، ففتح عينيه، فقالوا: لماذا فعلت هذا؟ قال: حتى لا تحزنوا.

المهم أن يعرف الإنسان قدر المودة وقدر الحب لزوجته، سواء قبل الزواج أو بعده، ولا يعرف ذلك إلا التقي الذي يتقي الله في كل شيء.

قال تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

حامد واكد