قال الشيخ: إذا كان الله قد انزل بلاءه على أكثر أهل الأرض، حرمانا أو شدة أو مرضا فإنه عز وجل قد اختص امة النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر مع الرضا فان لم يكن فبالصبر مع الاحتساب.

فالرضا هو رتبة الُخلّص من عباد الله الذين يقومون حيث أقامهم محبوبهم ويرضون بما قسمه لهم ما دامت هذه إرادته سبحانه وتعالى، ومبعث هذا الرضا هو الحب الواجب لصاحب الجمال والكمال المطلقين، ومثل هذا الحب لا يحصل إلا عن معرفة والمعرفة هنا عقلية بالتعرف إلى أسماء الله وصفاته الحسنى وذوقية بالتعبد والتبتل والتقرب مما يورث حضورا مؤنسا دائما.

من هنا نجد أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عندما أذاه أهل الطائف وخرج من عندهم بعد أن رفضوا دعوته ورموه بالحجارة لجأ إلى حائط قريب وناجى ربه وكان مما جاء في مناجاته (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي).

وقد وصف الحق سبحانه وتعالى هذه الطائفة من المؤمنين الراضين بقوله (رضي الله عنهم ورضوا عنه) ورضوا عنه هنا أي رضوا بما أراده لهم، وإذا كان ثمن رضي الله هو الرضى بكل ما تأتي به الحياة الدنيا فيالها من سلعة عالية وثمن بخس.

قد يقول قائل: بماذا تهرف يا شيخ ولماذا علينا أن نعاني المرارات ونتحمل الأزمات ونردد الأنات والآهات ثم نرضى بكل هذا حتى يرضى الله علينا؟ أقول إن هذه المعاني وردت وترد على السنة الآدميين في حب الآدميين أمثالهم، وارجعوا إلى أشعار الشعراء ونثر الكتاب وحتى أحاديث المحبين من عامة الناس تجدوا أن رضى المحبوب المخلوق يستحق عند محبيهم كل الغصص والأوجاع والمتاعب والأهوال فكيف برضى المحبوب الأعظم والأجمل والأكمل، والرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم اخبرنا انه لا يؤمن المؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

الرضى إذن شربة صافية راقية للمؤمنين العارفين وكم يخفف هذا من وطأة البلاء إذ يكفي أن يكون من الله لتقبله النفس راضية خاشعة، وذلك أمر مقدور عليه لمن سلك الطريق الصحيح في معرفة الله عقلا وذوقا.

فان لم يرق المؤمن إلى درجة الرضا فان درجة الاحتساب تكفيه وتخفف عنه، فإذا كانت الشوكة تشاك بها قدم ابن ادم يؤجر عليها وإذا كانت الأمراض والأوجاع والنقص والحرمان والخوف والشدة مما يكفر الذنوب ويزيد في الأجور ويكون سببا في عوض يطرحه الله في حياة المبتلى أو في حياة أبنائه أو بعد مماته، حيث الوجود الذي لا يفنى والخلود لا ينتهي فان كل بلاء مع احتساب من هذا النوع يهون على صاحبه، وما ضر أحدا أن يؤخذ من نعيم حياته ليضاف إلى نعيم آخرته.

الرضا والاحتساب إذن نعمتان عظيمتان اكرم الله عز وجل بهما المؤمنين إذ (لا خسارة حقيقية مع أي بلاء مهما اشتد) بل فوز عظيم قد لا يقدره صاحبه ساعة ابتلائه ولكنه سيجده حتما ويقينا عندما يكون أحوج إليه.

أما الكفار والفساق والمنافقون فلا رضا ولا احتساب، إنما هو الم ممض وعذاب ممتد وخسارة لا عوض لها وأيام تمر ثقيلة وآمال تتساقط وهي هزيلة، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما).

فالألم والبلاء من نصيب كل أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم، ورجاء الأجر والرضى والقرب خاص بالمؤمنين، فان قال قائل هذا الكلام يصعب قبوله وتطبيقه وهو أن صح فللنخبة لا للعامة، قلنا إن بلاد المسلمين والحمد لله لا تشكو من حالات الانتحار المخيفة التي تحدث في بلاد الآخرين وهذا يشمل الخاصة والعامة وما ذلك إلا بسبب الصبر مع الرضى والاحتساب ونحمد الله على نعمة الإسلام.

ماهر سقا أميني