بعد أن أدبر رمضان، كالنسيم الذي داعب جفوننا لحظات، أو كالعطر الفواح الذي غازل أنوفنا برهات، فما أروعها مداعبة ! وما أعفها مغازلة ! فهل نتذكر فيم كنا؟ وإلام صرنا؟ وماذا بعد رمضان؟
إن المسلم في رمضان هو المسلم في غير رمضان، لأن الله تعالى هو رب رمضان، وهو رب غيره من الشهور، والمسلم يعبد الله وحده لا شريك له؛ قال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } (الزمر)، وقال تعالى: {وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } (يس)، وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } (البينة)، وقال سبحانه: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } (الزمر).
فحري بمن اعتاد القيام في رمضان أن يتشبث بعادته تلك، ولو بركعتين فقط يركعهما بعد كل صلاة عشاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ ) (متفق عليه).
وحري بمن اعتاد الصيام في رمضان ألا يخلي شهراً قط عن الصيام، فليصم ما لا يزيد عن نصف الشهر، فيصوم يوماً ويفطر يوما، كصيام نبي الله داوود عليه السلام، فإن لم يستطع فليصم أحد عشر يوماً؛ إن استطاع من كل شهر، ولتكن (الأيام البيض الثلاثة: 13، 14، 15 من الشهر العربي، و ثنين والخميس من كل أسبوع) وإلا فثمان ( ثنين والخميس من كل أسبوع) وإلا فثلاث (الأيام البيض) أو أي ثلاثة أيام من الشهر، فكل ذلك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليبدأ بصيام ستة أيام من شوال، سواء مفرقة أم متوالية، لقوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (مسلم).
وحري بمن استطاع أن يقاوم شهوة نفسه، ويمتنع عن التدخين في أكثر من ثلثي اليوم من رمضان، أن يقاوم نفسه في الثلث الباقي، ويمتنع عن ذلك الحرام، حسبة لله تعالى وخشية منه، والله يقويه ويعينه على ذلك إن أحسن النية، وأكد العزم. وحري بمن اعتاد الصدقة في رمضان أن يظل نبع خيراته فياضاً، ونهر عطائه مورودا، وبحر جوده لا ينضب، فإن الصدقة تطفئ غضب الله تعالى كما تطفئ الماء النار، وهي برهان صدق المتصدق، وثقته في الله تعالى، وتوكله عليه، وإيثاره مرضاة الله على مدح المخلوقين وثنائهم.
وحري بمن اعتاد الصلاة في الجماعة الأولى في المسجد أن يحافظ على ذلك طيلة حياته.
فهنيئا لمن كان رمضانه مثل غيره من الشهور، وتعساً تعساً لذاك الرمضاني الذي لا ينشط إلا في رمضان، فإذا أدبر رمضان أدبر بقلبه وقالبه عن الطاعة، فيصرف الله قلبه عن المداومة عليها، وملأ قلبه غفلةً وشغلاً ولهواً.
اللهم بلغنا رمضان، واجعله شافعاً لنا عندك يوم نلقاك فيه، يا رب العالمين. آمين.
د. عبد الله عبد الله السَّحْت
