كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل عندما تلقت غرفة العمليات اتصالاً هاتفياً من إحدى الدوريات تقول فيه إن هناك جثة لامرأة في منطقة بعيدة في الصحراء.فما كان من الضابط المناوب في غرفة العمليات إلا أن طلب من الدورية أن تفتش المكان بحثاً عن أي شخص أو دليل قد يكون قريباً أو في مكان الجريمة ريثما تصل الفرقة الخاصة بالبحث الجنائي.

في هذه الأثناء تحرك الضابط المناوب ومعه فريق البحث الجنائي وطاقم التصوير التلفزيوني العادي وبعد نحو ساعة وصلوا إلى حيث كانت الدورية التي أبلغت عن الحادث، كان الوقت ليلاً وكان من الصعب فحص المكان بدقة لذا طلب الضابط من الفريق الذي كان معه البقاء في سياراتهم حتى تشرق الشمس لأن تحركهم في المكان في الظلام قد يؤدي إلى طمس العديد من الأدلة.

بعد تصوير المكان وفحص عجلات السيارة التي كانت بالقرب من الجثة تم نقلها إلى المختبر الجنائي حيث جاء في التقرير أن الجثة لفتاة تبلغ من العمر 24 عاماً، بيضاء البشرة ذات شعر كستنائي وأن فصيلة دمها «O+» وأنها عذراء وأن سبب الوفاة ثلاث طعنات نافذة في الصدر.

كما حدد التقرير الذي أعده المختبر الجنائي الـ «DNA» إضافة إلى تفصيلات أخرى مثل بصمات أصابع اليدين وبصمات أصابع القدمين.. إلخ.وأكد التقرير أن الوفاة حدثت قبل 15 ساعة وأن القتيلة على ما يبدو أخذت على حين غرّة حيث لم تقاوم القاتل.

تقرير المختبر

في الوقت ذاته تلقى الضابط الذي بدأ يتابع القضية تقريراً آخر من المختبر الفني للسيارات أشار إلى أن السيارة من نوع «.....» وهي سيارة دفع رباعي كما تم تحديد قُطر الطوق المعدني للإطار ونوع التصميم وعرض الإطار بالمليمتر ونسبة ضغطه على الأرض ونسبة السرعة التي كانت تسير بها السيارة، كما تم أيضاً تحديد نسبة تآكل حافتي كل إطار من الإطارات الأربعة وقوة الاحتكاك الناجمة عن السرعة سواء عندما جاءت السيارة إلى المكان أو عند المغادرة حيث تبيّن أن السيارة عندما جاءت بالجثة لم تسلك ذات الطريق وهي مغادرة. كل هذه المعلومات أصبحت لدى الضابط الذي باشر التحقيق في القضية فوراً.

من خلال ملامح الفتاة واللباس الذي كانت ترتديه تم تحديد جنسيتها، لكن الأمر أصبح الآن في كيفية الاستدلال على أهلها، وكان واضحاً أن الغرض من القتل ليس السرقة لأن خاتمها وسلسلة ذهبية وُجدا معها، كما انه أيضاً ليس للاعتداء الجنسي لأنها وُجدت عذراء ولا توجد آثار لمحاولات اعتداء جنسي عليها، لذا بدأ الضابط وفريقه يحللون المعطيات والأسباب التي يمكن أن تكون وراء عملية القتل هذه.

طلب الضابط من الدوريات خاصة على الطرق الخارجية أن توقف أية سيارة من النوع المشتبه به وفحص إطاراتها وما إذا كانت عليها آثار رمال ومحاولة معرفة الإطارات ومدى تآكلها.في الوقت ذاته طلب الضابط من عناصر البحث الجنائي الذهاب إلى حيث مغاسل السيارات والطلب من أصحابها نسخة عن فواتير غسيل السيارات خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، إضافة إلى الإبلاغ عن أي سيارة من النوع المشتبه به.

خلال هذه الفترة كان الضابط على اتصال بغرفة العمليات وبمراكز الشرطة المختلفة يسأل إن كان هناك من قدم بلاغاً عن تغيب فتاة، إلا أن كل ذلك لم يأت بنتيجة يمكن أن توصل إلى معلومات مهمة للاستدلال على القاتل أو على أهل الفتاة.

معلومات شحيحة

كانت المعلومات لدى الضابط شحيحة للغاية فلم يكن لدى القتيلة هاتف نقال أو هوية شخصية أو أي شيء يدل على شخصيتها.فكر الضابط أن ينشر صورة الفتاة في الصحف طالباً ممن يعرفها أن يتقدم بالإدلاء بأية معلومات عنها إلا أنه عدل عن الفكرة حتى لا يسبب ذلك إحراجاً لأهلها.

بعد مرور أكثر من 72 ساعة، أصبح واضحاً أن أحداً لن يبلغ عن اختفاء الفتاة، لذا بدأت الشرطة في وضع حواجز أمنية لتفتيش السيارات بحثاً عن السيارة المشتبه بها، لكن ذلك أيضاً لم يؤد إلى نتيجة حاسمة، فالسيارات التي تم تعقبها لم تنطبق عليها المواصفات الخاصة بإطارات السيارة المشتبه بها، فإطارات تلك السيارات لم تكن متآكلة كما انه ثبت بالفحص أنها جديدة أي أنه لم يتم تغييرها خلال فترة ثلاثة أو أربعة أو حتى خمسة أيام.

بقي لغز مقتل الفتاة محيراً والذي زاد الأمر تعقيداً أن أحداً لم يبلغ عن اختفائها وكأنه ليس لها أهل. بعد جمع كل المعلومات والبيانات الخاصة بجسم الفتاة القتيلة من حيث فصيلة دمها وفصيلتها الوراثية.. إلخ أمرت النيابة العامة بدفنها، مع الإشارة إلى أن للنيابة العامة أو الجهات الأمنية الحق في استخراج الجثة متى دعت الضرورة لذلك.

مرّت الأيام والأشهر وظهرت حوادث أخرى غطت على موت تلك الفتاة، فاضطر الضابط الذي كان يتابع القضية لإبقاء الملف مفتوحاً ولكن مؤجلاً وكتب عليه «التحقيق مفتوح لأنه لم يتم الاستدلال على القاتل».

في أحد الأيام بينما كانت إحدى الدوريات تتفقد منطقة مكتظة بالسيارات القديمة لاحظ أحد أفراد الدورية رجلاً ملقى على الأرض، أسرع رجال الدورية إليه حيث تبيّن أنه فاقد للوعي إلا أنه لا يزال يتنفس، لكن تنفسه بطيء ما يعني أن حالته حرجة. تم استدعاء طائرة عمودية أخذته إلى المستشفى التابع للمختبر الجنائي، وهناك تم إدخاله إلى غرفة العناية المركزة حيث كان يشارف على الموت.

من خلال الفحوصات تبيّن أن الرجل يعاني ضيقاً في التنفس وأن نبضات قلبه غير مستقرة والسبب أخذه جرعة زائدة من نوع معيّن من المخدرات اسمه «Brain Stimulation». وُضع الرجل، الذي كان عمره لا يزيد على 30 عاماً، تحت المراقبة الطبية حتى تعافى وبدأ يتنفس بشكل طبيعي وكذلك عادت الدورة الدموية إلى حالتها الطبيعية.

في غرفة التحقيق

بعد أن شفي تماماً تم أخذ الرجل إلى غرفة التحقيق حيث اعترف بتناوله وإدمانه على المخدرات، وقال إنه مدمن على المخدرات منذ خمس سنوات ومع ذلك كان يتمالك نفسه حتى لا يقع في يد الشرطة إلا أن هذا النوع من المخدرات لأول مرة يأخذه لذا فقد وعيه لأنه نوع قوي وغير متعوّد عليه.

بدأ الرجل يعترف على الأشخاص الذين يعرفهم والذين يتعاملون مع المخدرات، كما اعترف على الشخص الذي زوّده بهذا النوع من المخدر.تم وضع الخطط اللازمة للقبض على المشبوهين، وخلال 48 ساعة كانت إحدى أهم العصابات الخاصة بترويج المخدرات قد وقعت في يد الشرطة.

من خلال التحقيق مع أفراد العصابة تبيّن أنهم ليسوا على علاقة مباشرة بالعصابة التي تتاجر وتروج للمخدر السابق ذكره لكنهم يعرفون من يعرف الشخص المسؤول عن المخدر.كثفت الأجهزة الأمنية نشاطها في المناطق المشبوهة، وأخيراً وقعت العصابة في يد أحد المخبرين الذي تخفى على أنه تاجر مخدرات ويريد أن يتاجر بالصنف الجديد.

أثناء التحقيق مع أفراد العصابة اعترفوا بأنهم يتلقون هذا النوع من المخدرات من شخص اسمه «ر». تم وضع كمين لـ «ر» واقتياده إلى غرفة التحقيق حيث قال إنه يحتفظ بنحو 750 حبة من هذا المخدر في حفرة تحت سريره في غرفة نومه.قامت الأجهزة الأمنية بعد اتخاذ الإجراءات القانونية بتفتيش بيت «ر» الذي يتكون من طابقين على شكل فيلا قديمة حيث عثرت على 750 حبة إضافة إلى مسدس من نوع «Smith» وكميات من الكوكايين والهيروين.

كما قامت الأجهزة الأمنية بمصادرة الكمبيوتر الخاص بـ «ر» وأثناء فحص الكمبيوتر والريسفر والـ «USB» تبيّن وجود صورة شابة في مقتبل عمرها تتكرر على الكمبيوتر والـ «USB» حيث بدأت الشكوك تحوم حول دورها في ترويج المخدرات، فوفقاً للمعلومات تم القبض على جميع أفراد العصابة إلا هي، تمت إعادة التحقيق مع «ر» للإرشاد عن الشابة التي تكررت صورتها كثيراً في الكمبيوتر والـ «USB»» لكن «ر» كان يقول إنه لا يعرف عنها شيئاً وأنه لا يدري كيف وصلت هذه الصورة إلى الكمبيوتر الخاص به.

فتح القضية

لم يصدق الضابط هذا الادعاء وقال إن القضية ستبقى مفتوحة حتى يرشده إلى الفتاة التي قد تكون هي «رئيسة العصابة» عندها لم يجد «ر» بداً من الحديث، فقد وُضع تحت ضغوط كبيرة للإدلاء بكل المعلومات الكفيلة بالقبض على كل أفراد العصابة بمن فيهم الفتاة، وقال «ر» إن هذه ليست عضواً في العصابة لأنها أخته وهي لا تعرف عن هذا الأمر شيئاً.

إلا أن الضابط لم يصدقه وطلب منه أن يرشده إلى مكانها حتى يحقق معها ويتأكد بنفسه بأنها بريئة. بعد ساعات من التحقيق المستمر انهار «ر» وقال إن أخته ماتت حيث اعترف بأنه قتلها وألقى بجثتها في الصحراء في مكان كذا....

وأضاف بعد أن توفي والده ترك ثروة له ولأخته ولأمه المريضة، وكان «ر» يريد أن يتصرف في الثروة ويصبح تاجر مخدرات كبيرا إلا أن أخته كانت تقف دائماً في وجهه وكانت تهدده بإبلاغ والدته وعندما لم يكترث لذلك هددته بأنها ستبلغ الشرطة، وهنا كان لا بد من التخلص منها.

وقال «ر» كانت المشكلة ماذا سيقول لوالدته عندما تسأله عن ابنتها، وهنا جاءته فكرة أن يقول لأمه إن أخته على علاقة بشاب وأنها حامل ولهذا يجب التخلص منها وقتلها حتى ينتهي عارها وتموت معها فضيحتها.

وأشار «ر» إلى أنه عندما قرر قتل أخته أخبر والدته بالقصة تلك لكن والدته طلبت منه عدم قتلها، إلا أن «ر» كان يريد نصيبها من المال بأية طريقة ليحصل على هذا النوع من الجديد المخدرات الذي يجد رواجاً بين الشباب المدمنين.

وأضاف بعد أن قتل أخته أخبر أمه بذلك، ما أدى إلى زيادة حالتها المرضية حتى أصبحت غير قادرة على الكلام أو الحركة.تم عرض الصور التي التُقطت للقتيلة في الصحراء على «ر» حيث تعرف عليها قائلاً إنها أخته التي قتلها لأنها كانت تريد أن تحميه من المخدرات وترفض إعطاءه نصيبها من المال ليتاجر بهذه السموم. بكى «ر» عندما شاهد صور أخته، لكن ذلك لم يفده فقد كانت أوراق القضية في طريقها إلى المحكمة لينال جزاءه.

إعداد: أحمد سلطان