من الحقائق التي يجب أن يدركها كل مسلم أن الطاعة مطلوبة في كل يوم وفي كل شهر وليست مختصة بشهر رمضان فقط،؛ فأحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه، من أجل ذلك كان الثبات على طاعة الله بعد رمضان دليل قبول الصوم.

د. أحمد السايح، أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر، يقول: «للأسف الشديد هناك من يتعامل مع شهر رمضان على أنه الشهر الوحيد بين شهور العام التي يُعبد فيها الله تعالى، وبمجرد انتهائه يعود إلى المعاصي والذنوب؛ لذا فعلى المسلم بعد شهر رمضان أن يستمر على طاعة الله، وأن يثبت على شرعه، وأن يستقيم دينه، وعليه أن يعلم أن رب رمضان هو رب الأشهر والأيام الأخر، وبالتالي فإذا انتهى صيام رمضان؛ فهناك صيام النوافل؛ كالست من شوال والاثنين والخميس من كل أسبوع وعاشوراء وعرفة وغيرها.

وإذا انتهى قيام ليل رمضان فإن قيام الليل مشروع في الليالي الأخرى، وإذا انتهت صدقة وزكاة الفطر فهناك الزكاة المفروضة وهناك أبواب أخرى كالصدقة والتطوع والجهاد، كما أن قراءة القرآن ليست خاصة برمضان بل هي في كل وقت. ويشير السايح إلى أنه إذا كان الصائم قد جاهد نفسه خلال شهر الصوم فعليه بنفس الأمر بعد انتهاء هذا الشهر باعتبار أن مجاهدة النفس تلجم الشهوات وتكبح جماحها وتملك زمامها».

ويشير د. معاذ عبدالله غزالة، الأستاذ بكلية أصول الدين إلى حديث الرسول، صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وان أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل وكان آل محمد إذا عملوا عملاً ثبتوه» أي «داوموا عليه».. موضحاً أن المسلم يجب عليه أن يداوم على عبادته لله تعالى، كما كان يفعل في شهر رمضان باعتبار أن أحب الأعمال إلى الله تلك التي يداوم عليها الإنسان، ولا تنقطع لسبب من الأسباب.

يضيف: على المسلم بعد شهر رمضان أن يحافظ قدر استطاعته على أداء الصلوات الخمس جماعة، ولاسيما في صلاة الفجر، مثلما كان يفعل في الشهر الكريم، فالصلاة نور للمسلم في حياته وفي مماته وعند الصراط وهي بركة له في المال والأولاد، وهي إن صلحت صلح سائر عمله؛ كما يجب أيضاً المداومة على قراءة القرآن الذي أنزل لنتلوه في رمضان وغير رمضان حيث يمكن تخصيص وقت معين لقراءة ورد يومي ثابت؛ حتى لا تكون ممن قال عنهم الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}.

على المسلم أيضاً ـ كما يضيف عبدالله ـ أن يداوم على المشاركة في أعمال البر والنفع العام؛ فشهر رمضان تكثر فيه أعمال الخير، ومن ذاق حلاوة عمل الخير والإحسان حري به أن يواصل مسيرته بعد رمضان، خاصة أن مثل هذه الأعمال الحسنة قد تعود بالنفع على المسلم حيث تملأ أوقات فراغه وتنتشله من الملل، كما أنها تحل كثيراً من المشكلات النفسية والاجتماعية، هذا فضلاً عن ثواب الله عز وجل.

ويشير د. محمود عبدالخالق، أستاذ علم الحديث، إلى صيام الست من شوال باعتبارها من الأعمال الصالحة التي شرعت للمسلمين بعد رمضان، فعن أبي أيوب «رضي الله عنه» قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فذلك صيام الدهر»، حيث إن شهر رمضان يعادل عشرة أشهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، وستة أيام بستين يوماً أي بشهرين، أي أن المسلم عندما يصوم رمضان ويعقبه بالست من شوال فكأنما صام سنة كاملة.. موضحاً أنه لا يشترط في صيام هذه الأيام الستة التتابع، ولا أن تكون مباشرة بعد العيد، بل يجوز للشخص أن يجزئ صيام هذه الأيام كيفما يشاء، ولكن داخل شهر شوال.

عبدالخالق يدعو كل مسلم لعدم تفويت هذه الفرصة العظيمة لحصد ثواب الله تعالى وفضله من خلال صيام هذه الأيام الستة فعن أبي أمامة قال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض»، وعن أبي هريرة: قال الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم: «من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً».

ويوضح أن بقاء المسلم ومثابرته على العمل الصالح بعد رمضان علامة قبول عند ربه على صيامه خلال الشهر.

«إن هناك من الناس من يكون مجتهداً خلال رمضان في طاعة الله وأداء الصلاة وقراءة القرآن حتى أنه قد يذكرنا بالسلف الصالح، وما إن ينتهي الشهر الكريم حتى يعود إلى التفريط والمعاصي، وكأنه كان سجيناً بالطاعات؛ فيتهافت على الشهوات والمعاصي وهؤلاء لا يعرفون الله إلا في المواسم».. هذا ما يؤكده د. عبدالله النجار، أستاذ الشريعة..

مضيفاً أن المسلم مطالب بأن يسير على نفس النهج الذي كان يسير عليه خلال أيام الشهر الكريم؛ فلا يختص شهر رمضان بالعبادة وذكر الله دون الأشهر الأخرى؛ فقد سئلت عائشة رضي الله عنها: «كيف كان عمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هل كان يخص شيئاً من الأيام؟، قالت: لا، كان عمله ديمه، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع»، وبالتالي ينبغي على المسلم أن يجعل رمضان صفحة جديدة لعلاقته بربه طيلة أشهر العام حيث التوبة والإنابة والمداومة على الطاعة، وتجنب المعاصي والسيئات امتداداً لما كان يقوم به في رمضان.

وقال النجار إن العلماء يرون أن من علامات القبول أن يتبع الإنسان الحسنة بالحسنة، وبالتالي فإذا قبل الله من المسلم رمضان واستقام على طاعة الله بعد انقضاء هذا الشهر فإنه يكون في ركاب الذين استقاموا واستجابوا لله لقوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.

ويضيف: «إن طاعة الله تكون بالحذر من الشياطين التي يطلق سراحها، وتفك قيودها بعد رمضان؛ لذا يجب عدم الامتثال لها إعمالاً لقوله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}، كما يجب على المسلم اختيار الصحبة الصالحة التي تعينه على ذكر الله، وتبعده عن غواية الشيطان؛ فالمرء على دين خليله: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}، كما أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».

النجار حذر أولئك الذين يصومون رمضان ويجتهدون خلاله في عبادة الله ليعودوا بعد انقضاء هذا الشهر للمعاصي والذنوب، حيث ينطبق عليهم قول الله تعالى: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون}.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية