بعد العاشرة صباحاً.. أو قبلها بقليل، موعد شبه معتاد لا تتخلف عنه عضوات الشبكة، هدوء يخترقه رنين هاتف المنزل، تصمت الأشياء في حضرة حديث يثقل أسلاك الهاتف، ينخر الأسماع، ويسري على عجل، فالوسائط المتعددة هنا فاقت ما تجتهد في توفيره شركات الاتصالات، أي بلاك بيري وأي ماسنجر أمام مكالمات لا تخطئ اقتناص الأوقات والأشخاص الموصلين لسلسلة أحاديث النميمة اللامنتهية، تتقد ذاكرة أم الخراريف في التوقيت الفاصل بين وجبتي الإفطار، الغداء بوجبة وقودها لحوم البشر، تبدأ بعدها في تدوير الأرقام حسب تصور موضوع مسبقاً.. البداية: تخابر جارتها ذات العلاقة المباشرة بموضوع اجتهدت في نسجه عن بنات أخت الجارة ضحية ذلك الصباح.
«البنات استون قوايا.. طلعن عن شور أهلهن.. أمس شايفينهن في السينما.. عاد تدرين انتي السينما شو فيها.. اليوم سينما وباجر غيره، أنا لو مكان ابوهن بضربهن وبحبسهن في البيت»..
تدعي الانشغال وتقفل الخط.. وتترك الباب مشرعاً أمام سيل من الأسئلة الملتهبة عن صدق ما قيل.. وما تناقلته الألسن عن البنات.. شخصت الأخت الحالة، وفصلت تداعياتها وآثارها.. واجتهدت في وضع الحلول دون الحاجة لبرزنتيشن أو سكرين، فالصوت يفوح برائحة المبالغات الدرامية التي تسترق السمع ويرسم ألواناً من المشاهد السينمائية الموحية بالنهايات الحزينة، تتردد أصوات ضرب.. وعقاب وحرمان تلقته البنات بعد ثرثرات الجارة التي فاحت رائحتها في الفريج..
منهج
في اتصال آخر لإحدى عضوات الشبكة، تستمر أم الخراريف في رسم صورة غير صادقة عن بنات الناس، وتطفيش العرسان، عبر تناقل الروايات التي تنخر هيكل العلاقات الأسرية، المنقولة عن ما لا يقل عن عشرة ألسن. فالنميمة ثقافة ومنهج، وموهبة فطرية في الأصل، ومكتسبة أحياناً، يجتهد محترفوها في نسج شبكة الروايات في سياق مُقنع، وتسلسل منطقي وواقعي، خال من الثغرات. تماماً ككتابة سيناريوهات المسلسلات، تخيلوا كم الكتاب والمبدعين الذي تُفرزه النميمة في كل فريج. شيء مُبشر.
أم الخراريف نموذج لا يعترف بنفسه، قد ينتقد من يمارس تلك السلوكيات، لاحظوا أن أبناء الكار يتبادلون التهمة ذاتها من باب المنافسة ويضعون بعضهم في خانة الأشرار والنمامين،
فالحالة هنا أصعب من أن يحتمل أصحابها بشاعة صورتهم في المجتمع، والسواد الذي يفرزه وجودهم في حياة الأشخاص ممن يدعون صحبتهم. بينما يصنف البعض منهم نفسه بحلقة الوصل الداعمة لعلاقات شريحة واسعة من الأفراد الذين لا يجيدون سوى تلقي تلك الرسائل والتفاعل معها بعاطفة، وبناء انطباعاتهم وردود أفعالهم عليها. على فكرة، فعل النميمة لا جنس له. تقول إحدى الدراسات إن الرجال أكثر نميمة من النساء بفارق بسيط، مع اختلاف المواضيع التي «ينمّون» فيها.
تعريف
يُستدل على النميمة بفعلين اثنين، أولهما نقل الكلام بين طرفين، بغرض الإفساد والثاني يكمن في اتهام الناس وتشويه صورهم بما ليس فيهم بدافع مرضي، أهمه ضعف الثقة بالنفس والشك والإحباط، يبدو التعريف ظاهراً، بينما الفعل مستتراً، يصعب اقتناصه بين الوجوه السمحة والنبرات الحنونة التي تدعي الحب والوفاء، بينما تحيك في دواخلها أثواب النميمة التي تُلبسها من تشاء وتخلعها عمن تشاء. فحذار من أسرار مستباحة خارج أسوار المنزل، أو في حضرة الغرباء ممن يجيدون إقحام أنفسهم في أفلاكنا الخاصة.
في مجتمعات أخرى.. المهنية التي اتخذتها ثقافة النميمة دفعتها لاقتحام مساحة واسعة من حياة الأفراد، فتجاوزت المجالس النسائية والرجالية، وقفزت خارج إطارها التقليدي، فغزا النمامون الصحافة، واستباحوا أعراض الناس، فكان ضحيتها البسطاء ممن تفاعلوا معها وصدقوها.
متى يترك النمامون الناس في حالهم؟ وكيف سيكفرون عن ذنوب ارتكبوها عندما استسهلوا الحديث عن أعراض الناس دون أدلة؟ هل يدرك النمامون خطورة مخلفاتهم في حياة الأفراد وقتامة النظرة التي يرمقها بهم الآخرون؟ ومتى يدرك الناس أنهم كل ما ابتعدوا عن سماع النميمة نأوا بذواتهم عن الهزيل من الكلام؟
فوائد
ليس غريباً أن يبرر النمامون فعلهم باعتباره سلوكاً ذا فائدة، فهدفهم من وراء تلك الحكايات إقامة علاقات مع الآخرين، وتضييع أوقاتهم بغرض الترويح عن أنفسهم، وبناء ثقة بينهم وبين زملائهم في بيئتهم. كتلك الجارة المقربة من الجميع التي تتسلى بطريقتها الخاصة، فتحرص يومياً على عدّ سيارات أصحاب الفريج، وحفظ أرقامها عن ظهر قلب، وترصد تحركات سائقيها وراكبيها وجهاتها، وأوقات عودتها.. وتبثها في الفريج بمواعيد ثابتة حفظاً لأمن الفريج وخصوصيته. مواجهة النميمة ثقافة مضادة ومنهج آخر يجيده أصحاب الفكر المتقدم، ممن تجاوز سماع تلك القصص المحبوكة فأقفلوا أفواههم قبل آذانهم، وامتنعوا عن الحديث والتفاعل، باعتبارها هدراً لطاقات أصحابها، حيث تُشير الدراسة السابق ذكرها إلى أن النميمة تشكل ثلثي كلام الناس..
والله وحده يعلم جدوى الثلث الباقي.
أمل الفلاسي
