بعد أن وجدت فكرة المصارف صدى وترحيبا من قبل أصحاب القرار وكل من كانت لديه رغبة وطموح في الثراء وجمع الأموال أخذت بعد ذلك فكرة البنوك تظهر للناس في ذلك العصر فأنشئ («مونتي دي باسكي دي سيينا» الإيطالي الذي يعتبر« أقدم بنك في العالم» ويمتد تاريخه إلى 537 عاما.
ويعود تاريخ تأسيسه الأصلي إلى عام 1472 بمدينة سيينا بمقاطعة توسكاني) وفي تلك الفترة كانت بداية انطلاق شعاع المعرفة الذي أخذ يلوح في الأفق وقد كان بعض الأفراد الأوروبيين ينهلون من علوم المسلمين في الأندلس التي تم طردهم منها (ت 1492) .
وقد كللت جهودهم بالنجاح وعلى أثرها أخذت الدول الأوروبية تلتمس نورا يضيء لها درب الحياة العلمية والتقنية وقد تطلب كل ذلك بعض الأموال التي تمول هذه المشاريع فوجدت ضالتها عند المرابين أصحاب الأموال الوفيرة الذين ابدوا استعدادهم الكامل بتمويل الثورة الصناعية (ت 1789م) التي كانت متعطشة لإرواء غليلها من المال نظرا لاتساع الأسواق وتنوع المنتجات الصناعية في ذلك العصر.
يقول الأستاذ المفكر: محمد قطب (ت 2003 م) وذلك من خلال حديثه عن دور اليهود في إفساد أوروبا وما ترتب على ذلك الإفساد من المخاطر الأخلاقية في معرض حديثه لقضية تفعيل دور البنوك فقال انه عندما (كانت الثورة الصناعية تدق أبوابها.. وكان اليهود يقدرون لأنفسهم فيها أرباحا طائلة عن طريق الإقراض بالربا. فمنذ مولدها واحتياجها إلى المال لتمويل الصناعة الناشئة، سقطت فريسة في يد اليهود..
وما تزال حتى هذه اللحظة في أيديهم. كان المال الوفير الذي يصلح لتمويل الثورة الصناعية في يد طائفتين اثنتين في ذلك الحين: طائفة أمراء الإقطاع وطائفة المرابين من اليهود. فأما أمراء الإقطاع فقد رفضوا تمويل الصناعة الناشئة وأبوا أن ينقلوا أموالهم من دورتها الزراعية المألوفة لديهم، والمضمونة الربح لهم، إلى عملية جديدة لا يعرفونها، ولا يطمئنون إليها لعدم تمرسهم عليها.
خاصة وان كثيرا من العمليات الصناعية كان يؤدي إلى الخسارة في بداية الأمر بسبب نقص الخبرة أو عدم توافر الأسواق أو عدم وجود الواصلات اليدوية الميسرة؛ أو عدم إقبال الناس على الأشياء المصنوعة بالآلة وتفضيل المصنوعات اليدوية عليها بحكم الألفة الطويلة، وعلى أساس أن استخدام المصنوعات الآلية سيمحق البركة من حياتهم لان فيها أصبعا من أصابع الشيطان!
عندئذ تقدم اليهود لتمويل تلك الصناعات مرحبين، لأنهم ـ وعلى طريقتهم ـ لا يخسرون شيئا سواء ربحت الصناعة أو خسرت أو أفلست إفلاسا كاملا، ذلك لأنهم لا يشتركون اشتراكا مباشرا برؤوس أموالهم، وإنما يقرضون أصحاب الصناعات بالربا الفاحش مقابل ضمانات تضمن لهم رجوع أموالهم إليهم مع الفوائد المضاعفة دون أن يتعرضوا للخسائر التي كانت تتعرض لها الصناعة الناشئة في ذلك الوقت في كثير من الأحيان.
وفكرة المصرف (البنك) فكرة يهودية بحتة، تقوم على تشجيع الناس على إيداع أموالهم ـ أو ارتهانها ـ لديهم مقابل إعطائهم صكوكا بها، بينما يشغلون هم بهذه الأموال في عملية إقراض ربوية يربحون عن طريقها الكثير، فيعطون المودعين جزءا من هذه الأرباح ويستأثرون هم بمعظمها دون مخاطرة ولا جهد يذكر....) هذه البنوك المختلفة بطبيعة الحال قد أخذت تتوسع وتنشط في وقتنا الحاضر وأخذت على عاتقها أن تنشر دعاياتها المختلفة بين الحين والآخر لتكون عامل جذب لشرائح المجتمع.
وذلك عبر وسائل الإعلام الثلاث أو من خلال عرضها لبعض اللاصقات التي تعلق أمام المحال التجارية أو التي توضع عند محطات الوقود وغيرها من الأماكن التي يرتادها المستهلكون فبهذه الإغراءات الكثيرة اغتر بعض الناس بهذه الشعارات البراقة وانخدعوا بالتسهيلات التي تمنح لهم والإجراءات البسيطة التي تقدمها البنوك لعملائها .
ويصاحب ذلك كله طريقة التيسير السهلة التي تقدم للعملاء للوقوع في هذا الفخ والذي تروج له البنوك من أجل الحصول على عملية القروض أو الاستفادة من بطاقات الائتمان التي يرجع تاريخها وأول صدور لها يرجع إلى ...عام 1920 بالولايات المتحدة وقد صدرت عن شركة لبيع الوقود، ومنحتها لشركات تمتلك عددا كبيرا من السيارات، وعممتها على العديد من الشركات الأخرى عام 1938. وقد بدأ التعامل بمفهوم البطاقات الائتمانية عام 1950.
وقد اعتمد بنك أوف أميركا في آخر الأمر بطاقة خاصة، ليتداخل النظام مع ضةسء ثم حفَُّّمْ فْل وقد أطلق بنك باركليز البريطاني أول بطاقة ائتمان خارج الولايات المتحدة عام 1966، ليتمكن بها من طريقة التعامل بها دوليا دون الاستعانة بفروع المصارف.
ثم أدخلت بريطانيا نظام التعامل بالرقم السري ويِ ک ذيَ، بدلا عن الإمضاء، لتقليص عمليات الاحتيال التي نتجت عن استنساخ البطاقات..) عموما كل هذه العمليات المعاصرة: عملية القروض وبطاقات الائتمان بمختلف أنواعها تمثل الدين وتعريفهما متماثل أي القروض وبطاقات الائتمان واللتين يساء استخدامهما وكلا العمليتين إن تمعن المرء النظر فيهما يرى أن ظاهرهما الصلاح وتقديم المنفعة ولكن باطنهما الفساد.
إنه مما لا ريب فيه أن التعامل بطريقة القروض المعاصرة يشكل خطرا داهما يجتاح بعض المجتمعات ويخلف وراءه مشاكل قد يصعب على المرء أن يتجاوزها والسبب في ذلك الحواجز الكبيرة التي توضع بين جمهور المستهلكين بمختلف فئاتهم والمؤسسات التي تقوم بعملية التمويل المختلفة سواء أكانت هذه العملية تشمل المشاريع التي تخص الأفراد أو الجماعات أو حتى تلك التي تختص بتمويل وتقديم المساعدة للدول وهي بمثابة الأمة.
ومن الملاحظ والمشاهد في عالمنا المعاصر في عملية الديون أنها ليست همّا بالليل وذلاً بالنهار فحسب بل تتعدى ذلك وترسم أبعادا أخرى من أهمها المشاكل التي قد تتولد في المحيط الإقليمي، والدولي إضافة إلى الإطار الاجتماعي في بعض الأحيان وذلك من جراء التعامل مع هذه المصارف.
بهدف الحصول على القرض فعملية التعامل بهذه الطريقة قد يكون لها أثر عكسي في تزعزع أركان الدول التي تعجز عن تسديد ما عليها من ديون وكذلك المجتمع وقد تكون عقبة في استقرار بعض الأسر وقد يتعرض بعض الأفراد للإصابة ببعض الأمراض المزمنة، وكذلك ينشط التوسع في الخلافات الدولية بدوره تكون بعض البلدان مسرحا خصبا يرتع فيه أصحاب المصالح الذاتية من أجل تحقيق مآربهم.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي