المسلم مطالب بالمداومة على الطاعات والاستمرار في تزكية النفس، فبقدر نصيبه من العبادات تكون تزكيته لنفسه.. والصوم هو إحدى العبادات التي تطهر القلوب من أدرانها ليخرج منها الصائم بقلب جديد خال من الضغائن والأحقاد..
ويأتي صيام الستة من شوال بعد انتهاء صوم رمضان ليؤكد هذه المعاني وليسير في نفس اتجاه صوم رمضان وهو تزكية النفس وتطهيرها، فما هي أفضال صيام الستة من شوال؟ وما هي أحكامها؟ وماذا عن ادعاء البعض بأنها بدعة وأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يصمها؟.
يقول الشيخ محمد صادق، من كبار علماء الأزهر الشريف، الصوم من العبادات التي تشفي القلوب من أمراضها وتقرب الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى لافتا أن صيام الستة من شوال بعد رمضان فرصة غالية يقف بها الصائم على أعتاب طاعة أخرى بعد أن فرغ من صيام رمضان.
ويؤكد أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أرشد أمته إلى صيام الستة من شوال وحثهم على ذلك لما لها من فضل كبير، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر»، مشيرًا إلى أن صيام هذه الأيام يحمل ثمرات عديدة للمسلم أهمها أنها تكمل أجر صيام الدهر كله، كما أن صيام شوال وشعبان مثل صلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها حيث تكمل ما حصل في الفروض من خلل ونقص، لذا فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، فما أحوج المؤمن للفرض، وبالتالي يحتاج إلى ما يصلح هذا الخلل وذلك بصيام الستة من شوال.
ويوضح صادق أنه يستحب للمسلم أن يبدأ بصيام الستة من شوال بعد العيد مباشرة؛ لأن ذلك يعد من باب المسارعة إلى الخير لقوله تعالى {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}. وقوله تعالى أيضًا {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين}.
ويشير عالم الدين إلى أن صيام الستة من شوال يجوز تفريقها خلال أيام الشهر، حيث لا يلزم التتابع فيها لأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أطلق صيامها ولم يذكر تتابعها ولا تفريقها، مضيفًا أن صيام هذه الأيام بعد رمضان يعد علامة على قبول صوم شهر رمضان لأن الله تعالى إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده، وقد قال بعض العلماء إن من عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، ومن عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة على رد الحسنة وعدم قبولها.
وتشير د. سعاد صالح، أستاذ الفقه المقارن، إلى أن هناك من يدعون أن صيام الستة من شوال بدعة، وأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يصمها، موضحة أن هذا الادعاء يحتاج الدليل لكثرة صيام الرسول صلى الله عليه وسلم للنفل، حيث كان يواصل الصوم حتى يقال إنه لا يفطر.. وعلى افتراض عدم صوم النبي، صلى الله عليه وسلم، هذه الأيام، فإن ذلك لا يدل على عدم مشروعيتها لأن السنة القولية حجة شرعية، ولذلك يشرع صوم يوم وإفطار يوم مع عدم ثبوت فعل ذلك عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، بل إن ذلك يعد أفضل الصيام.
وتوضح أن استثناء بعض الأئمة في نهيهم عن صوم الستة من شوال إلى مخافة اختلاطها بشهر رمضان أمر غير مقبول لاسيما أن صيام هذه الأيام وترغيب النبي، صلى الله عليه وسلم، ثابت عنه، فقد روي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر».
وتشير أستاذ الفقه المقارن إلى أن الطعن في هذا الحديث باعتباره من رواية سعد بن سعيد لا يصح لأن جماعة من أهل العلم وثقوه ووافقه بعد ذلك جماعة من الرواة كصفوان بن سليم وزيد بن أسلم ويحيى بن سعيد وأبي عوانة، وهذا يدل على أن هذا الحديث صحيح ويدل على أن صيام الستة أيام من شوال سنة وقد عمل به الشافعي وأحمد وجماعة من أئمة العلم.
وفى رأى د. منيع عبدالحليم محمود، العميد السابق لكلية أصول الدين جامعة الأزهر، فإن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في عيد الفطر، لذا فإن معاودة الصيام بعد الفطر يعد شكرًا لهذه النعمة فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره وغير ذلك من أنواع شكره فقال تعالى {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}. ومن بين أنواع شكر العبد لربه على توفيقه لصيام شهر رمضان وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه أن يصوم بعد ذلك وهذا ما يتمثل في صيام الستة من شوال.
وحول موقف من عليه قضاء من رمضان من صيام الستة من شوال، يوضح منيع أنه من الأولى أن يبدأ بقضاء ما عليه من رمضان حتى يبرئ ذمته لأن الفرض مقدم على النافلة، مشيرًا إلى أن هناك اختلافا بين العلماء في هذا الأمر..
فهناك من يرى أن فضيلة صيام الستة من شوال لا تحصل إلا لمن قضى ما عليه من أيام رمضان التي أفطرها لعذر واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر»، وهذا يؤكد ضرورة إتمام صيام شهر رمضان حتى يتم البدء في صيام الستة من شوال.
د. عبدالله ربيع، أستاذ الفقه المقارن قال: لا يشترط على من عليه قضاء من رمضان صوم الأيام التي أفطرها أولاً قبل صيام الستة من شوال لأن المعنى الذي تدرك به هذه الفضيلة ليس موقوفًا على الفراغ من القضاء، خاصة أن صيام القضاء متروك للمسلم يصومه متى شاء لقوله تعالى {فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة..}. أما صيام الستة من شوال فهو فضيلة تختص هذا الشهر وتفوت بفواته، وبالتالي فإن من صام الستة ثم صام القضاء بعد ذلك فإنه يحصل على أجر صيام هذه الأيام.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
