عندما تخرجت في الجامعة انضمت إلى أحد البنوك للعمل فيه، فهي متخصصة في إدارة الأعمال، قسم المحاسبة، كانت (س) فتاة مثالية إلى أبعد الحدود وذلك بشهادة كل من يعرفها، أما طموحاتها فهي بسيطة للغاية، فهي لا تسعى لأكثر من الاستقرار الوظيفي والعائلي.

عندما انضمت (س) إلى البنك كانت تحتاج إلى بعض التمرين على البرامج التي يديرها البنك، ولم تكن تلك القضية عقبة أمامها فقد خصصت الإدارة مجموعة من الموظفين القدامى من ذوي الخبرة لتدريب الموظفين الجدد، وهكذا التقت (س) مع (أ) الذي أوكلت إليه إدارة البنك تدريبها مع ثلاث فتيات أخريات. استمرت فترة التدريب أسبوعين تمكنت خلالهما من استيعاب برامج البنك الخاصة بالمحاسبة إلا أن المسألة لم تنته عند ذلك، فقد كانت (س) تحتاج إلى مساعدة (أ) لها في كيفية التعامل مع الشيكات المرتجعة والشيكات غير دقيقة التوقيع.. إلخ. وبالطبع لم يكن (أ) يتردد في مساعدتها، ولكن خلال فترة التدريب أحسّ (أ) برغبة في التقرب من (س) فقد وجد فيها الفتاة المثالية التي يحلم بها.

عرض زواج

حاول (أ) أن يوصلها أحاسيسه ومشاعره إلا أنه لم يتمكن من ذلك في البنك، فقد كان يخشى أن ترفضه وتسمعه كلاماً لا يريد مما سيسبب له إحراجاً أمام زملائه، وأخيراً جاءته الفرصة فقد شاهدها بعد الدوام الرسمي للبنك تنتظر سيارة أجرة، عندها تقدم منها وعرض عليها أن يوصلها، وافقت (س) على ذلك وخلال وجودهما معاً أفصح لها عن حبه قائلاً إنه على استعداد لزيارة بيتها وطلب يدها من والدها رسمياً.

ورغم أن (س) سعدت بهذا العرض إلا أنها طلبت منه الانتظار، فهما لا يعرفان بعضهما البعض جيداً لذا رأت أنه من الأفضل أن يأخذا وقتهما كي يتعارفا أكثر.

شعر (أ) بسعادة كبيرة لأن (س) لم ترفضه، فمجرد طلبها أن ينتظر ليعرفا بعضهما البعض يُعد موقفاً إيجابياً.

خلال الأشهر الستة التي تلت هذا اللقاء تمكن (أ) من أن يقنع (س) بأنه الزوج المناسب، فقد نشأت بينهما قصة حب رومانسية، أقرب ما تكون إلى تلك القصص التي نقرأها في الروايات حتى إن جميع موظفي البنك باتوا يتحدثون عن هذه العلاقة المميزة التي توجاها أخيراً بالزواج.

حياة هادئة

رغم أن (أ) و(س) يعملان معاً في نفس البنك إلا أن شوقهما لبعضهما البعض بقي متقداً، فقد عاشا حياة هادئة لا تشوبها أية مشاكل تُذكر.

وحتى عندما تكون هناك مشكلة ما فإن (س) كانت قادرة بهدوئها ورجاحة عقلها على امتصاص غضب (أ) وحلها وعندها ينتهي الموقف بسلام وكأن شيئاً لم يكن.

أما (أ) فقد كان هو الآخر إنساناً طيباً يحب بيته وزوجته، فهو يقدر كم هي تتعب في عملها، كما انها تقضي في البنك نفس الساعات التي يقضيها هو، لذا كان مقدراً لها ولظروفها، وأخيراً تكللت سعادتهما بأن رزقهما الله بولد، ولم يمر على زواجهما سوى 12 عاماً حتى كان لديهما 3 أولاد.

كانت أسرة (س) هي محور حياتها، بل كانت حياتها.

فترة عمل إضافية

نتيجة للأعمال التجارية الكبيرة التي كان يديرها استحدث البنك عملاً إضافياً على فترتين، تبدأ الفترة الأولى من الساعة الخامسة بعد الظهر وحتى الساعة السابعة مساء، أما الفترة الثانية فتبدأ من الساعة السادسة مساء وحتى الساعة الثامنة مساء، ولقد جعلت إدارة البنك العمل في هاتين الفترتين اختيارياً إلا أنها وضعت حوافز كثيرة لمن يرغب في العمل مما شجع (أ) و(س) على أن يتقدما بطلب للعمل لفترة ما بعد الظهر خاصة وأن العرض كان مغرياً في ظل التزامات مدرسية مرتفعة وغلاء في كل مناحي الحياة.

ملصق كبير

في أحد الأيام أصيب (أ) بزكام اضطره للذهاب إلى الصيدلية وهناك على باب الصيدلية شاهد ملصقاً كبيراً جداً بحجم حائط الزجاج الأمامي للصيدلية مكتوب عليه «استمتع بعلاقة حميمة مع زوجتك». أخذ (أ) الدواء الخاص بالزكام وهمّ بالانصراف لكنه طلب من الصيدلاني أن يشرح له معنى الإعلان المكتوب على الحائط الزجاجي، فقال له إن هناك مرهماً خاصاً نزل السوق حديثاً وهو قادر على أن يجعل الرجل يتمتع بقوة عشرة رجال، فقال له (أ) أأنت متأكد من ذلك؟ فقال الصيدلاني نعم، وهناك ضمان بالنسبة لمفعوله، إلا أن ثمنه غال، فالعلبة الواحدة يتجاوز سعرها 300 دولار، فكّر (أ) قليلاً ثم مدّ يده وأخرج المبلغ وأخذ علبة المرهم.

عاد (أ) إلى بيته وأرجأ استخدام المرهم حتى شُفي من وعكته، وفي إحدى الليالي عاد متأخراً إلى بيته، كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، ولما دخل بحث عن زوجته فوجدها نائمة، فطلب منها أن تستفيق، لكنها أفهمته بأنها تشعر بإرهاق شديد، فهي تعمل على فترتين في البنك، لكنه ألحّ في ذلك، فهو يرغب فيها بعد أن استخدم المرهم، فاندفع نحوها محاولاً مداعبتها، إلا أنها قالت له إنها متعبة، لكن (أ) كان مصراً وبدأ يصرخ في وجهها، ورغبة منها في عدم خلق مشكلة استسلمت له.

بعد ذلك عادت (س) إلى النوم لكن (أ) طلبها مرة ثانية وعندما حاولت أن تتهرب منه اندلع خناق بينهما، في الصباح طلبت (س) تفسيراً من زوجها لتصرفاته تلك، فأخبرها بسرّ المرهم الذي اشتراه من الصيدلية فطلبت منه عدم استخدامه لأنها غير مستعدة لمجاراته في تصرفاته تلك، وطلبت منه أن يكون طبيعياً حتى لا يرهقها ويرهق نفسه.

إلا أن (أ) لم يستمع لكلامها ففي الليلة التالية استخدم نفس المرهم، حاولت (س) أن تجاريه مرة لكنها وجدت نفسها بأنها غير قادرة على مجاراته طوال الليل، وهنا قام بضربها وممارسة الحب معها بالقوة، وهكذا تحولت أيام (س) ولياليها إلى تعب.

في إحدى الليالي جلست (س) مع زوجها لتناقشه في الأوضاع الجديدة التي وصلا إليها، ومن خلال النقاش أخبرها بأنه أصبح مدمناً على هذا المرهم ولا يستطيع أن يتركه.

قضت (س) ليلتها تفكر في حل لهذه المشكلة، وأخيراً طلبت من زوجها أن يتزوج بامرأة أخرى غيرها ورشحت له صديقة لها مات زوجها من سنين وليس لديها أولاد.

اتفاق على العرس

وافق (أ) على الفكرة وقامت زوجته بالاتفاق على العرس من الألف إلى الياء، وهكذا تخلصت من الكابوس الذي كان يسببه لها (أ) بتلك المراهم الملعونة، إلا أن سعادة (س) لم تدم طويلاً، فقد بدأت الخلافات تنشب بين (أ) وزوجته الجديدة والسبب استخدامه لذلك المرهم.

عرفت (س) بالأمر وبدأت تتدخل طالبة من (أ) أن يكف عن مضايقة زوجته بتصرفاته السيئة هذه كما طلبت من الزوجة الجديدة أن تتحمل قليلاً.

استطاعت مساعي (س) أن تحقق بعض النجاح وأن تهدئ الأزمة لبعض الوقت لكنها لم تنهها، وأخيراً ذهبت الزوجة الجديدة إلى المحكمة وطلبت الطلاق بسبب الضرر الذي يقع عليها كل ليلة، وفعلاً حصلت على الطلاق بعد أن تنازلت عن حقوقها كلها.

عودة من جديد

عاد (أ) إلى بيت (س)، كانت (س) غير سعيدة بهذه العودة لكنها لم تستطع طرده بسبب الأولاد، وهنا قالت له يمكنك أن تعيش معي فأنا ما زلت زوجتك، ولكن بشرط وهو ألا تستخدم ذلك المرهم، فنحن لم نجنِ منه سوى المشاكل والمتاعب.

وأضافت إذا حاولت العودة إليه من جديد فسأضطر إلى طلب الطلاق وليكن ما يكون، وافق (أ) على شروطها وبدأت الحياة تعود إلى مجاريها من جديد، إلا أن (أ) عاد إلى ما كان عليه، وبدأ يأخذ المرهم، عندها تحولت حياة (س) إلى كابوس. فكرت (س) في طلب الطلاق لكنها كانت خائفة على مستقبل أولادها وخائفة من كلام الناس، لذا قررت أن تقاوم رغبة زوجها، ولكن بطريقة عقلانية، إلا أن (أ) كان يرفض أي نقاش في هذا الموضوع.

في إحدى الليالي أقام البنك حفلة كبيرة لجميع موظفيه بمناسبة انتهاء السنة المالية والأرباح التي حققها.

خلال تلك الحفلة كان جميع الموظفين يتبادلون الضحكات والنكات وكان الجو مفعماً بالحيوية والنشاط والحركة والحياة، فقد كان الكل سعيداً، ومما زاد من سعادة الجميع أن مدير البنك أعلن مكافأة قدرها مرتب شهر كامل لكل موظف.

وحدها (س) كانت غير سعيدة وغير منسجمة مع الجو الذي كان يحيط بها، فقد كانت تعيش في عالم آخر، كله خوف وألم وعذاب. فهي تعرف أنها بعد انتهاء الحفلة ستذهب إلى بيتها وستُقاد إلى سريرها كما تُقاد الذبيحة إلى حتفها.

وجهاً لوجه

انتهت الحفلة وكانت (س) تدعو من أعماقها ألا تنتهي ولكن لكل شيء نهاية، وفجأة وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام (أ) في غرفة نومها حيث قال لها إياك أن تعارضيني فقد أعددت لهذه الليلة العدة، فما كان منها إلا أن اقتربت منه وقالت له بصوت كله ألم ودموع: لماذا تعاملني بهذه الطريقة، ألست الفتاة التي أحببتها، فإن كنت لا تزال تحبني أرجوك لا تمتهن كرامتي، ولا تحولني إلى «.....».

استنكر (أ) هذا الكلام وقال لها أريدك أن تكوني طوع أمري، ثم هجم عليها وكأنه حيوان مفترس، بدأت معاناة (س) واستمرت لفترة طويلة تزيد على الساعات الثلاث، شعرت خلالها بأن آدميتها تُنتهك، وفجأة انتفضت وهي تصرخ في وجهه وتقول كفى لقد بدأت أموت فأنا (........) وأنت لا تشعر بي.

لم يهتم (أ) بما قالته (س) وهنا دفعته بقوة فوقع على الأرض، عندها جنّ جنونه وهجم عليها يريد خنقها لكن أظافرها التي غرستها في وجهه أبعدته عنها، إلا أن (أ) لم يستسلم حيث أخذ قطعة من ثوبها الذي مزقه وحاول خنقها به.

بدأ (أ) يضغط على رقبتها بكل قوة فما كان منها إلا أن أمسكت «أباجورة» كانت بالقرب من السرير، ورمتها على وجهه، عندها أمسك (أ) بالأباجورة ليضربها بها لكن «لمبة» مصباح الأباجورة كانت قد انكسرت وانكشفت أسلاكها، لذا عندما أمسك (أ) بالأباجورة ليضرب زوجتها بها لامست يده الأسلاك المكشوفة فوقع ميتاً في الحال.

أبعدت (س) الأباجورة عنه وحاولت إسعافه إلا أنه كان قد فارق الحياة، اتصلت (س) بالشرطة طالبة منهم الحضور، عندما حضرت الشرطة وجدت (س) مغشياً عليها حيث تم أخذها إلى المستشفى، وكذلك (أ).

تقرير طبي

بعد ساعات جاء التقرير الطبي ليقول إن (أ) مات بصعقة كهربائية أما (س) فهي تعاني من تسلخات ونزيف حاد في الرحم. في المحكمة وقفت (س) تطلب من القاضي أن يسمعها في جلسة خاصة، وافق القاضي على ذلك حيث وقفت تبكي وتروي له فصولاً قاسية لا نستطيع ذكرها هنا.

أمر القاضي بإيداع (س) السجن لاستكمال التحقيق، كما أمر فريقاً من البحث الجنائي بإزالة الملصق الخاص بالمرهم من على زجاج الصيدلية.

بدأ فريق البحث الجنائي يتتبع مصدر المرهم حيث تبيّن أنه غير مرخص، كما أشارت التحريات إلى أن مجموعة من الفتيات من دولة في جنوب شرق آسيا هن اللواتي يروجن للمرهم، الذي تمت مصادرته من جميع الصيدليات حيث كانت بعض الصيدليات تبيعه بطريقة سرية.

بدأت الأجهزة الأمنية تلاحق الفتيات اللواتي كن يروجن للمرهم، حيث تبيّن أن مواده الأولية تأتي من تلك الدولة الكبيرة الواقعة في جنوب شرق آسيا وأنه يصنع في إحدى المدن الصغيرة، وبتحليل المرهم تبيّن أن فيه مواد ضارة بصحة الرجل والمرأة معاً، وأن المواد المنشطة التي فيه تحتوي على نسبة من الهيروين النقي الذي يجعل الرجل مدمناً عليه.

إعداد ـ أحمد سلطان