يعد عيد الفطر تتويجًا لشهر قام فيه المسلمون بأداء مختلف العبادات تقربا إلى الله من صلاة وقيام الليل وقراءة القرآن وإكثار من الدعاء والاستغفار.. وإذا كان الله قد شرع العيد ليفرح فيه المسلمون ويروّحوا عن أنفسهم؛ إلا أن ذلك لا يمنع أن هناك آدابًا معينة يجب اتباعها لينال المسلم رضا الله في هذا اليوم.. في السطور التالية يقدم لنا كبار العلماء أبرز تلك الآداب.
يقول د. إسماعيل الدفتار، أستاذ الحديث «إن عيد الفطر أحد عيدين شرعهما الله تعالى للمسلمين حتى يروّحوا فيهما عن أنفسهم، وكذلك ليفرحوا بثمرة إخلاصهم في الطاعة والعبادة».. مشيرا إلى أن هذين العيدين - الفطر والأضحى - ارتبطا بعبادات عظيمة؛ فالأول يأتي تتويجًا لشهر رمضان حيث الصيام وقيام الليل والإكثار من قراءة القرآن، والثاني يقع ما بين شعيرة الحج ويوم عرفة أفضل الأيام، وهذا ما يميز أعياد المسلمين عن أعياد غيرهم.
ويوضح أن هناك آدابًا إسلامية يجب أن يتحلى بها المسلم في يوم العيد يأتي في مقدمتها الاغتسال قبل الخروج؛ باعتبار ذلك سنة مؤكدة في حق الجميع؛ فعن نافع أن عبدالله بن عمرة كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدوا إلى المصلى.. كما قال الإمام سعيد بن المسيب «سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال»، والراجح أن غسل العيد يكون قبل الفجر.
من آداب العيد أيضا التجمل؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال «أخذ عمر جبة من استبرق تباع في السوق فأخذها فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ابتع هذه تجمل بها للعيد والوقود. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هذه لباس من لا خلاق له، فلبث عمر ما شاء الله أن يلبث، ثم أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة ديباج فأقبل بها عمر فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله انك قلت «إنما هذه لباس من لا خلاق له»، وأرسلت إلي بهذه الجبة؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «تبيعها أو تصيب بها حاجتك».
وعن جابر رضي الله عنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم جبة يلبسها للعيدين ويوم الجمعة، كما روي الشافعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس في كل عيد بردة «عباءة» من برود اليمن، وروي عن الحسن أنه قال «أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأثمن ما نجد».
وبناء على ذلك يؤكد أستاذ الحديث أن من آداب العيد التجمل، وهذا يكون من خلال التطيب والتزيين وارتداء أحسن الثياب وأجملها؛ لأن العيد مظهر للفرح، وفيه اجتماع للصلاة، وبالتالي يجب على المسلم أن يكون على أحسن صورة سواء من ناحية النظافة أم الرائحة الطيبة أم على الهيئة الحسنة.
وتقول د.آمنة نصير، أستاذ العقيدة «إن عيد الفطر ليس مجرد عيد يفرح فيه المسلمون ويروّحون عن أنفسهم من خلاله فقط، ولكنه أيضا يحمل معنى إنسانيا كبيرا؛ حيث تشترك أعداد لا حصر لها من المسلمين، رغم انتمائهم لدول مختلفة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، في هذه المظاهر التي يغلب عليها الفرح والسرور، وذلك في وقت واحد، وهذا ما يعمق الروابط الفكرية والروحية التي يعقدها الدين بين أبنائه من مختلف اللغات والأقوام».
ومن آداب العيد أن يتناول المسلم بضع ثمرات قبل خروجه من المنزل إلى المصلى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل ثمرات لما رواه البخاري عن أنس بن مالك قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل ثمرات.. ويأكلهن وترًا»، وقد استحب الأكل قبل الخروج لإخبارنا بالنهي عن الصوم في ذلك اليوم، وإيذانًا بالإفطار وانتهاء الصوم.
وتشير أستاذ العقيدة إلى التكبير في العيد باعتباره سنة نبوية؛ فقد ثبت أن الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضي الصلاة، وهناك صيغ عديدة للتكبير منها «الله أكبر، الله أكبر، لا إلا الله والله أكبر ولله الحمد»، «الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا»، «الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر وأجل الله أكبر على ما هدانا».
وتوضح أن هناك حكمة عظيمة من التكبير في العيد، حيث إنه يجمع بين التكبير والتهليل والتحميد لقوله تعالى «ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون»، فالهداية اقتضت التكبير عليها؛ فضم إليها التهليل، والنعمة اقتضت الشكر عليها، فضم إليها التحميد.
وتؤكد أن وقت التكبير في عيد الفطر يبدأ من ليلة العيد إلى أن يدخل الإمام لصلاة العيد، ويستحب للرجال رفع الصوت بالتكبير في الأسواق، والدور، والطرق، والمساجد، وأماكن تجمع الناس إظهارا لهذه الشعيرة وإحياءً لها لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم «زينوا العيدين بالتهليل والتكبير والتحميد والتقديس».
د. عبدالله النجار، أستاذ الشريعة الإسلامية يؤكد بدوره ضرورة حرص المسلم في يوم العيد على أداء صلاة العيد، والتي تحمل حكمة عظيمة؛ حيث يكون للمسلمين يومان في السنة يجتمع فيهما أهل كل بلدة رجالاً ونساءً وصبيانا حيث يتوجهون إلى الله بقلوبهم تجمعهم كلمة واحدة، ويصلون خلف إمام واحد يكبرون ويهللون ويدعون الله مخلصين.
وعن كيفية صلاة العيد يوضح أستاذ الشريعة أن عائشة رضي الله عنها قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الفطر والأضحى.. في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمسا سوى تكبيرتي الركوع».. ولم يصح عن النبي، صلى الله عليه سلم، ذكر معين بين تكبيرات العيد، ولم يصح عنه أيضا أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات العيد.
ويضيف «إنه يستحب تأخير صلاة العيد من أجل إخراج صدقة الفطر لمن لم يخرجها؛ كما يستحب التكبير في التوجه لصلاة العيد في المسجد؛ على أن يكون الذهاب ماشيا من طريق، والعودة ماشيا من طريق آخر؛ ليشهد له الطريقان، ومن فيهما من ملائكة الله التي تملأ الطرقات في هذا اليوم الكريم».
وعن خروج النساء لصلاة العيد أكد أنه من السنة خروج النساء إلى المصلى لصلاة العيد، بل ذهب كثير من أهل العلم إلى وجوب ذلك؛ فعن أم عطية «أمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تخرجهن في الفطر والأضحى: العوائق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة - وفي لفظ المصلى - ويشهدن الخير ودعوة المسلمين»، وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال «حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيد».
«للعيد في الإسلام معانٍ إنسانية جميلة يجب أن يدركها كل مسلم».. هكذا يقول د. أحمد الشحات، أستاذ الحديث؛ مشيرًا إلى أن العيد يعد فرصة لتذكير أبناء المجتمع بحق الضعفاء عليهم حتى تعم الفرحة كل بيت، ومن هنا جاءت زكاة الفطر التي أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن تخرج قبل صلاة العيد، ويجوز إخراجها قبل ذلك بيوم أو يومين؛ وإذا قام المسلم بإخراجها فلا تجزئه عن صدقة الفطر لحديث ابن عباس «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات»، وبالتالي لا يجب على المسلم أن يؤخر زكاة الفطر عن صلاة العيد فإن آخرها بلا عذر فهي زكاة غير مقبولة.
ومن الآداب التي يجب أن يتبعها المسلم يوم العيد أيضا أن يتبادل التهنئة مع المسلمين أيا كان لفظها مثل «تقبل الله منا ومنكم»، أو «عيد مبارك»، وكثير من العبارات في هذا الإطار؛ ويستحب في هذا اليوم أيضا أن يقوم المسلم بزيارة أرحامه والإكثار من عمل الخير.ويدعو أستاذ الحديث المسلمين إلى الابتعاد عن البدع في ذلك اليوم مثل الذهاب إلى الملاهي المحرمة التي تلهي عن ذكر الله، أو مشاهدة الأفلام الخليعة التي تبثها الفضائيات.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

