ليس اسمها فقط مستوحى من السر.. بل بذكائها تنسج الخيوط السرية اللامرئية حول عالم الكبار، وتختزل تفاصيله العامة والخاصة، المهنية والعائلية، تملك من الطول قامة تمكنها من الاطلاع جيداً على مجريات الأحداث من ارتفاع خفٍ، تتلقى الأوامر .. تتولى تنفيذها، وتضبط سيرها، وتقف على حدود العوالم الداخلية والخارجية، الفاصلة بين المكاتب الوثيرة، والأروقة الخلفية.

وتتوقف سرعة تمرير تلك الأوامر والاستجابة لها على عوامل عدة أهمها اجتماعي وسيكولوجي، فقد تمررها أحياناً بمزاج أو قد لا تمررها .. وقد تبقيها حبيسة الأدراج. يبدو »السكرتيرة« مهنة لا تمسك بزمامها سوى حواء الماهرة أو الماكرة، فكانت ومازالت بطلة حكايات تتناقلها الجدران قبل الإنسان.. همساً وجهراً.

علاقة السكرتيرة بالموظفين مثار جدل دائم، فمن كان على وفاق دائم معها سيحظى بوفاق مع رئيسها، وذلك حتماً من علامات مرض سلوكي أسبابه غياب المهنية في بيئة العمل، التي يتداخل على بواباتها الخاص والعام، والأهواء والأمزجة. بينما يبقى سيرُ العمل أمراً ثانوياً أمام علاقات لا تبدو مريحة ولا تمكّن أفرادها من إتمام أعمالهم. يبدو حتى أنتم يا من تدعون المهنية، يجب ألا تفرطوا بعلاقة طيبة مع السكرتيرة، على الأقل أمامها، حتى تصبح أموركم طيبة، وإن كانت سكرتيرة مديركم متسلطة، أو متعجرفة.. أو حتى لا ترد السلام! فالاحترام هنا على ما يبدو للكراسي!

سينما

كرست السينما العربية وقبلها العالمية صورةً نمطية للسكرتيرة، حتى ذهب البعض نحو اعتبارها مهنة غير لائقة لسوء النماذج التي قدمتها السينما، وبعيداً عن واقعية الصورة سلبت السكرتيرة مساحات شاسعة من حياة مديرها، وطدت أركانها وجعلته لا يتحرك دونها رفيقة في السفر.

ولا يتخذ في غيابها قراراً، مستعينةً بسلاح الأنوثة الذي يثبت أنها مهنة النساء بجدارة، لطالما اعتبر دور السكرتيرة في السينما محورياً، لا تتقنه سوى نجمات من العيار الثقيل، بدليل أن النجمة الحسناء نيكول كيدمان وافقت على الخضوع لعمليات تجميل لجسدها حتى تظهر أكثر فتنةً وأنوثة للعب دور سكرتيرة في أحد أفلامها. أما في الدراما الخليجية فالسكرتيرة تتقن اقتناص المدير وإيقاعه في فخ الزواج بها، متقنةً اللعب على وتر المهنة، ممتلكةً أسراره الخاصة والعامة.. حتى تصل إلى نهايات مأساوية مشاركةً في إخفاقه المهني بعد الأسري طبعاً.

ما يجعل مهمات السكرتيرة غير مقبولة هو الإطار الذي وضعت فيه والقالب المنفّر الذي احتواها، والنماذج التي طفت على السطح بدافع فضائح مهنية أو سلوكية. وفي مجتمعات أكثر انفتاحاً صدّرت الصورة النمطية للمهنة، نراها لا تقفز خارج صورة الحسناء الرشيقة والجميلة، إلى جانب مؤهل علمي متواضع ومهارات تعمل على صقلها تباعاً، في إحدى الروايات.. لم تسترح »المدام« من نوبات الشكوك والغيرة إلا بعد أن تزوجت سكرتيرة زوجها، التي حاولت مراراً استمالة الأبناء بحلوى ورحلات ترفيهية وحركات أخرى تُجيد تفسيرها النساء.

أما الأدهى والأمر .. لم يجد المحيطون بزوجة أحد كبار المديرين سبباً واحداً دفعه للزواج بسكرتيرته ذات الجمال المصطنع، فزوجته المأسوف على حالها مضرب للمثل في الجمال والذكاء والحكمة. يبدو لا أسباب واضحة تدفع الرجال للزواج بسكرتيراتهم، وغموض تلك الأسباب يدفع النساء لمضاعفة جرعة الحذر من السكرتيرة، والوقاية منها إن أمكن، وبعض الرجال كما يقول المثل »ما يمزر عينهم إلا التراب«. وبعض السكرتيرات وغير السكرتيرات لا يتوانين عن إشهار أسلحة سحرية خفية يتيحها تواجدهن الدائم مع المدير.

هدف

في حالات أكثر تقدماً، لا تتقنها سوى من قطعت شوطاً كبيراً في المهنة تجاوز الهدف الاستراتيجي فيها الزواج بالمدير، تتسلق السكرتيرات اللاتي يستمدنّ »البرستيج« المهني من مدرائهن وظائف أكبر من مهامهنّ لأهداف عديدة أهمها تأمين الوضع المادي، والدليل ما تداولته إحدى المجلات عن السكرتيرة الخاصة لرئيس تحرير صحيفة شهيرة تولت مهمة الإشراف على تحرير ملحق متخصص، فيما يدرك الجميع قدراتها الصحافية الضحلة وبعدها عن منصب يتطلب شغله تخصصاً ومهنية عالية. وحكايات أخرى أكثر دهاءً تفردها صفحات الحوادث في الصحافة العربية والعالمية ترسّخ صورة سلبية عن السكرتيرة.

تلك النماذج لا تُلغي صورة إنسانية للسكرتيرة لا يلمسها سوى المتأملون للهالة التي تُحيط بمن تشغل ذلك المنصب فهي مزيج من حالة نفسية تتربص من يقصدونها لخدمة أهدافهم، فيتعثرون أحياناً وينسابون بسلاسة في أحيان أخرى، فما أن تتعاطف معك السكرتيرة »ابشر« بأنك قطعت نصف الرحلة، وإلا فعُد أدراجك وفكر في حيلة أخرى.

تلك إفرازات الكم الهائل من الأحداث الخفية التي تنوء بها أعصاب السكرتيرة وتمتص مخزون الصبر لديها ما يسترعي بعض العذر.. قراءة متأنية للأحداث توصي بضرورة اختيار الوقت المناسب لقرع باب السكرتيرة، ومن باب أولى معرفة برجها وطالعها، فحذار من عصبية مولودة برج الأسد.. ومزاجية المرأة السرطان .. وعليك بالسكرتيرة الحوت. فهي الأكثر تفهماً وتعاطفاً، بينما تبقى العذراء مكمناً للأسرار.

سر

بشرى سارة يزفها العالم الرقمي والتقني بأدواته الخارقة لزوجات المديرين وكبار المسؤولين، قد تتلاشى السكرتيرة وتُستبدل بنظام إلكتروني يكتب الرسائل ويحدد المواعيد، دونما حاجة إلى »آكشن« الغيرة و خطط للمداهمات المفاجئة، ونوبات التنصت المهووسة.

وبين هذا وذاك .. تحية لسكرتيراتنا المخلصات.

أمل الفلاسي