قدر مراقبون أن التعديلات التي تم استحداثها على قانوني مركز دبي المالي العالمي للشركات والإعسار تؤشر على انتقال دبي من مرحلة «إدارة الأزمة» إلى مرحلة أخرى مختلفة نوعيا وهي «بناء مؤسسات المستقبل»، حيث عكست هذه التعديلات جهدا دؤوبا لتعزيز المكانة التي يشغلها المركز على صعيد كفاءة أنظمة وإجراءات وممارسات الإعسار.

فضلا عن التحصين ضد تداعيات الأزمات التي قد تنشأ في المستقبل وذلك من خلال إدخال التعديلات على هذه الأطر بما يدعم كفاءتها على مواجهة الأزمات التي قد تنشب في المستقبل، وما قد يصاحبها من تساؤلات حول كيفية تيسير خروج الشركات المتعسرة من السوق، إلى جانب تدعيم بناء القدرة المؤسساتية. وقد جاءت هذه التعديلات لتضيف المزيد من القوة للأنظمة السارية في المركز، حيث حقق المركز منذ أشهر قليلة مضت المرتبة الأولى على مؤشر كفاءة أنظمة وإجراءات وممارسات الإعسار، حيث أحرز 126 نقطة على مقياس مكون من 155 نقطة، في حين يبلغ معدل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 88 نقطة، فيما يبلغ معدل دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 124 نقطة.

وجاء ذلك ضمن نتائج الدراسة المسحية التي أعدتها لجنة عمل منبثقة عن المؤتمر الإقليمي الأول من نوعه الذي نظمه معهد حوكمة التابع لمركز دبي المالي العالمي بالتعاون مع كل من البنك الدولي والاتحاد الدولي لخبراء إعادة الهيكلة والإعسار والإفلاس «بعنوان» أنظمة الإعسار وحقوق الدائنين في منطقة الشرق الأوسط.

ويكمن سبب كفاءة أنظمة الإعسار السارية من وجهة نظر الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية في مركز دبي المالي العالمي في كون هذه الأنظمة حديثة العهد ويعود بعضها إلى أربع سنوات مضت. وأفادت الدراسة المسحية أن الإمارات (باستبعاد مركز دبي المالي العالمي) أحرزت 74 نقطة على مؤشر كفاءة الإعسار، فيما حققت السعودية 85 نقطة، وقطر 84 نقطة والأردن 51 نقطة.

وتشير الخبرات المستقاة من الدول المتقدمة أو الصاعدة إلى أن هناك أوجه ارتباطات عضوية بين تكامل وكفاءة الأسواق وحوكمة الشركات وأطر عمل الإعسار والممارسات، كما أن وجود أطر عمل كفء للإعسار يساعد عملية التأقلم مع الصدمات الخارجية والداخلية، لكن تظل هناك حاجة قوية لمراجعة وتقييم الأنظمة السارية فيما يتعلق بكيفية دخول الشركات السوق وخروجها منه، وهذا ليس مدعاة للقول ان الدولة شهدت حالات إفلاس وتعثر على غرار ما هو حاصل في الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ولكن يأتي هذا التقييم في إطار درء الضرر قبل وقوعه.

ويرى مراقبون أن التعديلات الأخيرة تؤكد حرص حكومة دبي علي سد ما قد تراه من ثغرات أظهرتها الأزمة المالية الحالية، على نحو يعزز عالمية الأطر والقوانين والممارسات المطبقة في مركز دبي المالي العالمي، بحيث يكون المركز بمثابة المنصة المثالية لمباشرة الشركات لأعمالها، وفي التوقيت ذاته، تكون أنظمة المركز الخيار الأفضل للشركات، إذا ما ارتأت ضرورة لخروجها من السوق نتيجة لتعثرها المالي.

ناقوس الخطر

وبالتالي، استبقت حكومة دبي بإدخال مثل هذه التعديلات، بعدما دقت أرقام وإحصائيات تقرير البنك الدولي لعام 2009 ناقوس الخطر بشأن سجل منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك الإمارات بشأن مواتية الأطر التنظيمية لخروج الشركات المتعثرة من السوق، ورغم أن المنطقة لم تتعرض لتداعيات الأزمة المالية العالمية، بالشكل الذي تعرضت له الأسواق الأخرى، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب بناء القدرة المؤسساتية على مواجهة مثل هذه الأوضاع في المستقبل.

وأظهرت الإحصائيات في هذا المجال أن معدل تحصيل الدائنين لأموالهم من الشركات المعسرة في الإمارات يبلغ 2. 10 سنتا لكل دولار، وتتآكل حوالي 30% من قيمة الشركة خلال اجتيازها إجراءات الإعسار، فيما يبلغ معدل تحصيل الديون في لبنان 19 سنتا لكل دولار، وتتآكل فيها 22% من قيمة الشركة، ويرتفع المعدل قليلا في السعودية ليبلغ معدل تحصيل الدين 5. 73 سنتا لكل دولار.

وسلط تقرير البنك الدولي لعام 2009 بشأن مباشرة الأعمال الضوء على مجموعة من المقاييس والمواصفات المثيرة للاهتمام بشكل بالغ والتي توضح أن المنطقة بحاجة لأن تحسن الكيفية التي تتعامل بها مع حالات الإعسار، وورد في التقرير الاستنتاجات التالية:

ـ تحتاج الشركة في منطقة الشرق الأوسط لحوالي 5. 3 أعوام لتنهي إجراءات الإعسار، وهو ضعف الفترة الزمنية التي تستغرقها إجراءات الإعسار في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتي تبلغ 7. 1 عام. وتحتاج الشركة في تونس فترة زمنية تبلغ 3. 1 عام لإنهاء إجراءات الإعسار، وهو ما يخالف تماما حالة أيرلندا التي يبلغ فيها فترة إنهاء إجراءات الإعسار إلى 3 أشهر فقط.

ـ تتآكل في دول الشرق الأوسط 1. 14% من قيمة الشركة خلال إجراءات الإعسار، بالمقارنة مع معدل يبلغ 4. 8% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فيما يبلغ هذا المعدل في الكويت 1%، وهو يماثل المعدل المسجل في سنغافورة وكولومبيا والنرويج، وتعتبر هذه الدول الأربع الأقل تكلفة عالميا فيما يتعلق بتكلفة إنهاء إجراءات الإعسار.

ـ يبلغ معدل التحصيل في منطقة الشرق الأوسط 9. 29 سنتا لكل دولار، فيما يصل هذا المعدل إلى 8. 86 سنتا لكل دولار في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وببلع معدل التحصيل في البحرين 63 سنتا لكل دولار، ولكن اليابان تقدم مؤشرا مرجعيا والتي يرتفع فيها معدل التحصيل إلى 5. 92 سنتا لكل دولار، وهو أعلى معدل سجله تقرير البنك الدولي بشأن مباشرة الأعمال لعام 2009.

دبي ـ مجدي عبيد