قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر. وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة، ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر. وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، ويلبس ثوبين جديدين، ويستجمر ويقول: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة أهل المدينة، والتي تليها ليلتنا، يعني البصريين.
ولا يكمل التزين الظاهر إلا بتزين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناس الذنوب؛ فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئا، ولا يصلح لمناجاة الملوك في الخلوات إلا من زين ظاهره وباطنه وطهرهما، خصوصاً ملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى، وهو لا ينظر إلى صوركم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وقف بين يديه فليزين له ظاهره باللباس، وباطنه بلباس التقوى.
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقوى *** تقلب عُرياناً وإن كان كاسياً
ومما يستحب في العشر الأواخر من رمضان الاعتكاف، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين). وإنما كان يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العشر التي يُطلب فيها ليلة القدر، قطعاً لأشغاله، وتفريغاً لباله، وتخلياً لمناجاة ربه وذكره ودعائه.
فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وفكره على ربه وما يقربه منه، فما بقى له هم سوى الله وما يُرضيه عنه، وكلما قويت المعرفة والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال.
ومما يستحب في ليالي العشر الأواخر من رمضان قراءة القرآن فإنه يهدي للتي هي أقوم، فينبغي على المسلم أن يكثر من قراءة القرآن في هذه الأيام ، فقد كان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، وكان عثمان بن عفان يختم القرآن في كل يوم مرة ، وكان للشافعي ستون ختمة ، وكان قتادة يختم في كل سبع دائما، وفى رمضان في كل ثلاث ، وفى العشر الأواخر فى كل ليلة.
إن الواجب على المسلم أن يجتهد في هذه الليالي المباركة ألا وهي العشر الأواخر من رمضان ونحن مقبلون عليها ، وبعدما علمت فضلها ومزيتها ومكانتها، فينبغي أن تكون فيها من المجدين، فتقوم لياليها، وتكثر من قراءة القرآن الكريم فيها، وتجتهد في جميع ألوان العبادات وصنوف الطاعات، لتنال الأجر العظيم والثواب الجزيل، فتكون من الفائزين ولجنة الله من الحائزين، نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عادل حسن المرزوقي