كيف تستمر روحانيات رمضان إلى ما بعد رمضان؟.. هذا هو المحك الرئيسي للمسلمين، فإذا كان شهر رمضان هو شهر توحد المسلمين في برنامج عمل موحد عنوانه الإكثار من عمل الخير والبر والإحسان، فمن الضروري استمرار العمل بهذا البرنامج إلى ما بعد الشهر الكريم.
حول كيفية تحقيق ذلك يقول د. مصطفى الشكعة، عضو مجمع البحوث الإسلامية سابقًا، شهر رمضان هو سباق بين المسلمين في الإكثار من أعمال البر والإحسان للفقراء والمحتاجين، وهذا أمر قد يكون معتادًا كل عام إلا أن الأهم هو استغلال هذه الدفعة الرمضانية لأعمال الخير لمواصلة المسيرة بعد انتهاء الشهر الكريم بما يعود على الفرد والمجتمع بالفائدة.
يوضح أن عمل الخير حتى وإن كان قليلاً إلا أنه نوع من التعاون الذي أمرنا به الله تعالى لقوله (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، مشيرًا إلى أن من يسارع في عمل الخير سواء في رمضان أو غيره من الشهور فإن الله وعده بأن يخلف له الخير والبركة لقوله تعالى (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) والجزاء على فعل الخير لا يكون في الدنيا فقط وإنما أيضاً في الآخرة.
وأكد الشكعة أن العمل الخيري في الإسلام يعتمد على عدد من المصادر التمويلية التي يجب تشجيع المسلمين على المسارعة في المشاركة فيها، خاصة أن عددًا من هذه المصادر يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالعقيدة الإسلامية، مثل الزكاة بكل أنواعها سواء كانت نقودًا سائلة أو زروعًا أو مواشي أو معادن.. وهناك زكاة الفطر السنوية التي تخرج أثناء رمضان ومع قدوم عيد الفطر حتى يفرح المسلمون جميعًا وهي واجبة على من يملك ما يكفيهم.. وهناك أيضاً النفقات الواجبة للأقارب التي أوجبها الله تعالى على القادرين لكفالة أقاربهم من غير القادرين، فضلاً عن الصدقات التطوعية وهي اختيارية يتطوع بها المسلم ابتغاء وجه الله تعالى، علاوة على الصدقة الجارية أو الوقف الخيري وكذلك الصدقة عن الميت.
أما د. محمود يوسف كريت، رئيس قسم الدعوة الإسلامية بكلية أصول الدين، فيشير إلى أن السيدة عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن كيف كان عمل الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: «كان عمله ديمة وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع»، موضحًا أن هذا الحديث يؤكد أن فعل الخير والإحسان لا يقتصر فقط على أيام بعينها أو شهر مثل شهر رمضان، بل يجب أن يمتد ذلك لبقية الشهور، فرب رمضان هو رب غير رمضان، لذا يجب مواصلة وبذل الخير والبر على كل أصعدة العمل الخيري الإسلامي بعد انتهاء الشهر الكريم، مستفيدين في ذلك من الجرعة الروحانية التي استقاها المسلمون خلال شهر الصوم.
ويضيف: إذ نوى المسلم أن يقوم بأي عمل خيري فعليه البدء بأقاربه، موضحًا أنه لو استطاع كل قادر في كل عائلة أن يساعد ذوي قرباه لتوصلنا في النهاية إلى مجتمع قوي متماسك، والله تعالى يقول (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم)، كما أوصى القرآن أيضاً بتوجيه فعل الخير للجيران لقوله عز وجل (والجار ذي القربى والجار الجنب) باعتبار أن الجار هو أقرب الناس إلى الإنسان سكنًا ووقوفًا معه في الشدائد.
ويشير كريت إلى أن عمل الخير قد يشمل أيضاً الإنفاق على اليتامى في شتى مناحي الحياة لقوله تعالى (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة).
واستكمالا للآراء السابقة يؤكد د. فايز خاطر، أستاذ الفلسفة الإسلامية أن خير الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى ما داوم عليها الإنسان حتى وإن قلت، والرسول، صلى الله عليه وسلم، قال: «أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، وإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل، وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملاً ثبتوه». لذا فالمسلم عليه أن يداوم على فعل الخير بعد انتهاء شهر رمضان، باعتبار أن هذه المداومة دليل على قبول صيام هذا الشهر الكريم، وهذا ما أشار إليه العلماء حيث قال بعضهم إن من عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، ومن عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة على عدم قبول الحسنة.
أستاذ الفلسفة الإسلامية يوضح هنا أن فعل الخير أمر حث عليه الإسلام ولم يقصره على شهر واحد أو أيام معدودة بل جعله مستمرًا باستمرار حياة المسلم حيث قال تعالى (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) وقال أيضاً (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء...). كما امتدح القرآن المؤمنين الذين يقومون بهذه المسارعة في أعمال الخير فقال تعالى (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون). بل امتدح أيضاً أهل الخير من أهل الكتاب كذلك وليس المسلمون فقط، فقال عز وجل (يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات).
ويشير إلى أن العمل الخيري للمسلم لا يكون فقط من خلال الإنفاق على اليتامى والمساكين والجيران، وإنما أيضاً على غير المسلمين أيضاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة إلا رحيم... قالوا يا رسول الله: كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكن رحمة العامة»، كما يجب توجيه العمل الخيري إلى بعض المؤسسات الخيرية التي تقوم بإنشاء مستشفى أو مدرسة أو أي عمل آخر قد يعود بالنفع على المجتمع.
بدوره يطالب د. سالم عبدالجليل، مدير عام الإرشاد الديني بوزارة الأوقاف، كل مسلم بعدم التقليل من قدرته على فعل الخير حتى ولو بالقليل الذي لا يمكن أن يقل عن الذرة التي قال عنها الله تعالى «فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره».
يوضح سالم أن فعل الخير ليس مقصورًا فقط على من يقوم به وإنما يمتد أيضاً ليشمل كل من يدل عليه، حيث إن له نفس الأجر، وهذا ما أكده الرسول، صلى الله عليه وسلم، بقوله: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله»، بل إن من نوى عمل الخير ولم يستطع فله أجره إذا كان صادق النية في ذلك لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «إنما الدنيا لأربعة نفر.
عبد رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم أن لله فيه حقًا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا يخبط في ماله بغير علم ولا يتقي فيه ربه ولا يصل رحمه ولا يعلم لله فيه حقًا فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزهما سواء»، وهذا الحديث يؤكد أهمية المسارعة في عمل الخير حتى ولو بالنية.
القاهرة- دار الإعلام العربية
