لا شك أن رمضان هو أعظم الشهور قدرا، ولذلك خصه الله بمزايا وفضائل عديدة من بين الشهور، وخص من أيامه العشر الأواخر منه بمزيد فضل ومزية ومكانة، فللعشر الأواخر فضل عظيم ومكانة كبيرة، فما هو فضلها ؟ وكيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العشر؟ وماذا يستحب فيها من الأعمال؟

إن من أعظم ما يميز العشر الأواخر من رمضان أن فيها ليلة القدر التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري، والصحيح أن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وهي في الوتر منها أرجى، لذلك كان نبينا الكريم يجتهد في ليالي العشر اجتهادا عظيما لا يجتهده في غيره من الأيام، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله) وفي رواية: (أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر). رواه البخاري ومسلم. واختلف العلماء في تفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشد المئزر، فمنهم من قال: هو كناية عن شدة جدِّه واجتهاده في العبادة في هذه الليالي، ومنهم من قال: إن المراد اعتزاله للنساء، وبذلك فسره كثير من السلف والأئمة المتقدمون منهم سفيان الثوري.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر: فمن هذه الأعمال: إحياء الليل كله أو غالبه بالصلاة، ففي حديث عائشة رضي الله عنه قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر - يعني الأخير - شمّر وشدّ المئزر). رواه أحمد.

ومن الأعمال المستحبة في العشر الأواخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي، قال سفيان الثوري: أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه، ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يطرق فاطمة وعلياً ليلاً فيقول لهما: (ألا تقومان فُتصليان) رواه البخاري ومسلم.

وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يُوتر. وقد ورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة، ونضح الماء في وجهه. وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا). وكانت امرأة أبي محمد حبيب الفارسي تقول له بالليل: (قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا).

ومما يستحب في ليالي العشر الأواخر من رمضان التنظف والتزين وخاصة في الليالي التي يرجى أن تكون ليلة القدر، فالتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن، يشرع في هذه الليالي.

عادل حسن المرزوقي