بينما كان السلف الصالح في شهر رمضان يكثرون من قراءة القرآن وقيام الليل والتفكر في روحانيات الشهر الكريم فإن المسلمين في هذا العصر أبوا أن يسيروا على نفس النهج وابتدعوا استعدادات جديدة تتمثل في التهافت على المحال التجارية لشراء ما ثقل وزنه وغلا ثمنه من السلع الغذائية، وكأن رمضان قد تحول من شهر للعبادة إلى شهر للطعام.

والغريب أن هذا السلوك الاستهلاكي قد تزايد هذا العام متزامناً مع أزمة عالمية طاحنة ألقت بآثارها السلبية على اقتصادات الدول الإسلامية، إضافة إلى التزامن أيضاً مع بدء العام الدراسي في عدد من الدول، وكان من المفترض ـ وفق هذه المعطيات ـ ترشيد الاستهلاك إلا أن ما حدث جاء على نحو مغاير.

يقول الشيخ فرحات المنجي ـ من علماء الأزهر الشريف ـ لقد أحدث كثير من الناس في رمضان بدعاً ومخالفات كثيرة أضاعت عليهم فضل وثواب هذا الشهر الكريم، ومن هذه البدع تزايد استهلاك الناس من المأكل والمشرب خلال شهر رمضان، مما أدى إلى تفريغ الشهر من مضامينه الروحانية لاسيما فيما يتعلق بإحساس الغني بالفقير. يشير إلى قوله تعالى (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)، موضحاً أن الإسراف أمر نهانا عنه الله تعالى، وإذا كان على المسلم أن يبتعد عن الإسراف امتثالاً لأوامر الله فمن الأولى أن يبتعد عن ذلك في شهر رمضان الذي يعد شهراً للتقوى والعبادة والتقرب من الله عز وجل.

انطلاقاً من ذلك، يطالب المنجى المسلمين بالفهم الصحيح لفريضة الصيام باعتبارها صبراً وجهاداً للنفس ضد الشهوات ومنها شهوة المأكل والمشرب وليس مجرد شهر يتنافس فيه المسلمون على الملذات وهو أمر ينقص من أجر الصوم.

أهداف روحانية

د. محمد رأفت عثمان العميد السابق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر قال إن الله فرض علينا الصوم بهدف تزكية المؤمنين وتضييق مداخل الشياطين وتجنب كيد الذين يتبعون الشهوات، أما ما يحدث في عصرنا الراهن من تسابق بين الناس بشأن تزايد السلوك الاستهلاكي بين المسلمين فهذا من شأنه تفريغ شهر رمضان من أهدافه.

إن الاستغراق في شهوة المأكل والمشرب، كما يوضح عثمان، يشغل القلب عن التبصر والاعتبار في دلالات فريضة الصوم حيث إن هذه الشهوة تدفع الناس للغرق في لجة اللذة القريبة المحسوسة ويحجب عنهم ما هو أعلى وأرفع ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان في هذه الأرض.

ويؤكد أن هذا الإسراف الاستهلاكي للمسلمين بصفة عامة وفي شهر رمضان تحديداً أمر تتبناه الدول الغربية انطلاقاً من تزايد الوتيرة الاستهلاكية للمسلمين حيث سيصب في ميزان الصادرات الغربية للدول الإسلامية باعتبار أن الأخيرة أكبر مستورد للغذاء من كل دول العالم ولاسيما الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية.

ويدعو المسلمين إلى البعد عن الشره في المأكل والمشرب باعتباره أمراً مذموماً في الإسلام، مشيراً إلى أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات فإن لم تكن حسا حسوات من الماء.

كما يدعو عثمان كل مسلم أيضاً لمحاسبة نفسه ومراقبة ذاته فيما يتعلق بالإنفاق على مأكله ومشربه، فمحاسبة النفس والمراقبة الدائمة لها تجعلان المسلم الصائم حازماً معها بكبح جماحها ويفطمها عن شهواتها، وفي هذا الشأن يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم وتهيئوا للعرض الأكبر».

الأزمة العالمية

من جانبها تقول د. زينب الأشوح أستاذ الاقتصاد الإسلامي: تزايد الاستهلاك في رمضان أصبح سمة سلبية موسمية لسلوكيات المسلمين في هذا الشهر الفضيل، مشيرة إلى أنه رغم الأزمة المالية العالمية التي ألقت بآثارها السلبية على جميع اقتصادات دول العالم بما فيها الاقتصادات الإسلامية والعربية فإن الاستهلاك في رمضان هذا العام قد تصاعد لأرقام مخيفة.

وتوضح الأشوح أن الأزمة العالمية فرضت على دول العالم اتباع نوع من التقشف سواء على المستوى الرسمي أو المؤسسي للدولة وكذلك على المستوى الفردي أو الشخصي، وبناءً على ذلك كان متوقعاً أن ينخفض سقف استهلاك المسلمين من المأكل والمشرب، باعتبار أن الاقتصادات العربية والإسلامية جزء من الاقتصادات العالمية، إلا أن ما حدث جاء على عكس كل التوقعات، حيث سجل اتفاق المسلمين على المأكل والمشرب خلال هذا الشهر معدلات عالية مقارنة بالأعوام الماضية.

وتشير إلى أن تزايد الاستهلاك في شهر رمضان يمثل عامل ضغط على متوسطي ومحدودي الدخل وهم فئة كبيرة من المجتمع قد يضرون أنفسهم بأيديهم وأيدي من يروجون لهذه السلع الاستهلاكية بهدف تحقيق أرباح خيالية دون النظر إلى المشكلات الاقتصادية الكبيرة التي قد تترتب وتتفاقم نتيجة تصاعد وتيرة الاستهلاك.

جوانب اقتصادية

أما د. محمد عبدالحليم عمر أستاذ الاقتصاد الإسلامي فيشير إلى أنه بجانب الجوانب الدينية لشهر رمضان فإن هناك جوانب أخرى ترتبط بالعملية الاقتصادية، موضحاً أن الاقتصاد يدور في مجمله حول محورين أساسيين هما الإنتاج والاستهلاك، وما يحدث في شهر رمضان من أعمال وسلوكيات المسلمين وثيق الصلة بهذين المحورين، فالصيام في معناه الشرعي يدور حول الامتناع عن الاستهلاك الغذائي في رمضان، وبالتالي فالمفترض أن تقل معدلات الاستهلاك عن باقي الأشهر الأخرى إلا أن الأرقام تؤكد أن هذه المعدلات تبلغ أقصاها خلال شهر رمضان.

ويشير إلى أن تزايد الاستهلاك بصفة عامة، وفي شهر رمضان تحديداً، يعد استنزافاً لثروات الأمة الإسلامية، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار العالمية للسلع الغذائية، وفي ظل حالة الركود الاقتصادي التي أصابت اقتصادات الدول الإسلامية، وهو ما يزيد من حدة الأزمة.

أستاذ الاقتصاد الإسلامي لفت أن تزايد الاستهلاك يحمل أيضاً أبعاداً سياسية، فاستمرار استيراد المواد الغذائية ولاسيما الأساسية منها من دول بعينها قد يدفع بعض هذه الدول لإملاء شروطها السياسية، وقد تضطر الدول الإسلامية تحت ضغط احتياجها لتقديم تنازلات سياسية من أجل توفير السلع لمواطنيها.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية