عبادة ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر بدون هذه الليلة؛ لما اختصها الله سبحانه وتعالى بأفضال عظيمة ويكفي أنها الليلة التي نزل فيها القرآن الكريم، ويكفي أيضًا ذكرها في كتاب الله صراحة، وإذا كان إحياء هذه الليلة يحقق لصاحبه الفضل العظيم والثواب الكبير فإن هناك اختلافا حول تحديدها بين ليالي رمضان، وإن كان هناك إجماع على أنها في العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم. والتساؤل: لماذا أخفى الله ليلة القدر ولم يحددها؟ وكيف يمكن للمسلم أن يتبين معالمها وأن يقوم بإحيائها بما يحقق له الثواب الكبير؟!

د. سعيد البيومي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر يقول إن ليلة القدر لها شرف ومنزلة عظيمة عند الله، تبارك وتعالى، حيث فضلها على سائر الليالي فقال تعالى {وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر}، وقد سميت بهذا الاسم؛ لأن الله عز وجل يقدر فيها وقائع السنة، ويقدر فيها الآجال والأرزاق لقوله تعالى {فيها يفرق كل أمر حكيم}.

يشير إلى أن ليلة القدر تكون في العشر الأواخر من رمضان، وتحديدًا في الوتر من هذه الأيام، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم، مشيرًا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر: «فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر» وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» ومعنى تواطأت: توافقت.

يوضح أستاذ الفقه أن الله عز وجل أخفى هذه الليلة عن الناس ولم يحددها لحكمة مفادها أن يجتهد الناس في طلبها، وبالتالي الاجتهاد في العبادة في عموم ليالي شهر رمضان من صلاة وذكر ودعاء وقراءة قرآن.

ورغم أن ليلة القدر غير محددة بين ليالي شهر رمضان فإن البيومى يؤكد أن هناك علامات ودلائل عليها، فقد قال صلى الله عليه وسلم عن الشمس في هذا اليوم «إنها تطلع يومئذ لا شعاع لها» وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة» والشق هو النصف، والجفنة هي القصعة، وفيها إشارة إلى أنها تكون في أواخر الشهر الكريم لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلا في أواخر الشهر. وعن عبدالله بن أنيس أن رسوله صلى الله عليه وسلم قال: «أرأيت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبحها أسجد من ماء وطين». قال فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. ويفهم من هذا الحديث أيضًا أن ليلة القدر ليلة مطر وريح.

المفكر الإسلامي د. عبدالله النجار، يؤكد بدوره أن حكمة اقتضت إخفاء ليلة القدر في رمضان حتى يجتهد الصائم في طلبها خاصة في العشر الأواخر منه ويوقظ أهله كما كان يفعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أملاً في أن توافقه هذه الليلة التي قال الله فيها {ليلة القدر خير من ألف شهر { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر}. فتكون حظه من الدنيا وينال رضا الله في دنياه وفي آخرته، لذلك خص الله ليلة القدر في أيام شهر رمضان حثًا للصائمين على مضاعفة العمل في رمضان.

ورغم ذلك كما يضيف النجار ؟ فإن هناك علامات لهذه الليلة يمكن اكتشافها منها ما رواه الإمام مسلم بسنده عن عبده وعاصم بن أبي النجود سمعًا عن زر بن حبيش يقول: سألت أبي بن كعب، رضي الله عنه، فقلت إن أخاك ابن مسعود يقول من يقم الحول يصب ليلة القدر. فقال رحمه الله: أراد ألا يتكل الناس.. أما أنه قد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر وأنها ليلة السابع والعشرين ثم حلف لا يستثنى أنها ليلة سبع وعشرين فقلت بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا بها الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها.

ويوضح أن الله تعالى يختص بعض عباده بفضل هذه الليلة المباركة، فالذين صادف توقيتهم علم الله تعالى فقد اختصهم الله بفضلها، فكما يختص الله البعض بالغنى أو بالصحة أو غيرهما، فلا مانع من أن يختص الله قومًا دون قوم بهذه الليلة المباركة، مشيرًا إلى أن من وافقته هذه الليلة فعليه الإكثار من الدعاء كما كان يفعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:« يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أدعو؟. قال: تقولين: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

يطالب النجار كل مسلم بتحرى ليلة القدر من خلال المداومة على قيام الليل مع الجماعة في المسجد والاجتهاد في قراءة القرآن والإكثار من الدعاء والاستغفار والحذر من ضياع الوقت في اللهو المحرم والباطل.

في رأى د. أحمد الشحات، أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بالقاهرة ، فإن ليلة القدر لها فضائل عظيمة منها أن الله عز وجل أنزل فيها القرآن لقوله تعالى {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وقوله عز وجل {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} كما أن هذه الليلة خير من ألف شهر، أي أن العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، إضافة إلى أن الملائكة ومعهم جبريل عليهم السلام يتنزلون في هذه الليلة وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة، علاوة على أنها ليلة سلام لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب بما يقوم به العبد من طاعة الله، عز وجل، فالأمن والسلام يحلان في هذه الليلة على أهل الإيمان، والملائكة تسلم عليهم حتى مطلع الفجر.

يشير الشحات إلى أن الله تعالى أخفى وقتها ليقوم الناس بإحياء أكبر وقت ممكن من أيام رمضان ولياليه، خاصة العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم مثلما كان يفعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم «إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليله وأيقظ أهله وشد مئزره».

يشير د. معاذ عبدالله أستاذ الحديث بكلية أصول الدين جامعة الأزهر إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها فمن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدًا» موضحًا أن ليلة القدر هي إحدى نفحات الله تعالى التي يجب التعرض لها بالعبادة حتى طلوع الفجر وتطهير النفس من الأحقاد والإخلاص في الإقبال على الله بقراءة القرآن والذكر والدعاء والاستغفار.

يضيف معاذ: لقد اختلف العلماء حول معنى «القدر» المسمى بها هذه الليلة العظيمة، حيث أشار البعض إلى أن القدر معناه التضييق كقوله تعالى {ومن قدر عليه رزقه} والمراد بالتضييق هنا هو اختفاء الليلة وعدم تحديدها لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة التي تنزل في هذه الليلة.

كما أشار بعض العلماء إلى «القدر» أن أضافه الله لهذه الليلة بغرض التعظيم كقول الله تعالى {وما قدروا الله حق قدره} وهذا يعني أن هذه الليلة ذات قدر عظيم لما نزل فيها من القرآن الكريم.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية