إن من نعم الله على هذه الأمة أن جعل لها أزمنة تنزل فيها النفحات الربانية، وتتضاعف فيها الأجور والبركات الإلهية، لمن عمل الصالحات وتزود من الباقيات، فقد فضل الله بعض الشهور على بعض تفضيلا، واصطفى شهر رمضان ونزل القرآن فيه تنزيلا، وزاد العشر الأواخر منها غرة وتحجيلا، واختار ليلة القدر وجعل لها فضلا وأجراً جليلا، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما إدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر).
فليلة القدر خير من ألف شهر، أي خير من عبادة ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر في غيرها من الأيام، فلو قام رجل يصلي لله تعالى ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر، وقمت أنت ليلة القدر كان لك مثل أجره، بل خيرا من أجره، فإنها والله لنعمة عظيمة، وفرصة فريدة، ولكن أين العاقلون المشمرون؟ وأين المتنافسون المجتهدون؟ فما أقلهم وما أكثر المحرومين!.
لقد وصف الله ليلة القدر بأنها ليلة مباركة، وشرفها على سائر الليالي، فهي خير ليالي السنة، فقال جل من قائل: (إنا أنزلناه فى ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين)، فوصف الله ليلة القدر بأنها مباركة، ومن بركتها مضاعفة الأجر والثواب فيها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم) رواه ابن ماجه. فحذر نبينا عليه الصلاة والسلام عن الغفلة عن هذه الليلة وإهمال إحيائها، فيحرم المسلم خيرها وثوابها.
ومن بركة ليلة القدر نزول الملائكة والروح فيها وهو جبريل عليه السلام، وبين الله تعالى في الآية السابقة أنه يقدر ويفرق فى هذه الليلة الآجال والأرزاق وحوادث العام، ولذلك سميت بليلة القدر، وقيل سميت بذلك لأن العمل فيها له قدر عظيم وفضل كبير.
كما أن قيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا سبب لمغفرة الذنوب وستر العيوب، فعن أبى هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). رواه البخارى .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان، فيجد في الطاعة والعبادة وخاصة في ليلة القدر، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد المئزر وأحيا ليله وأيقظ أهله). متفق عليه.
عادل حسن المرزوقي