ثوانٍ معدودة تسلقت خلالها ابنة الأعوام الستة قمة الحديث الدائر في مجلس نسائي، بحديث لا تتعرف إليه الصغيرات عادةً، تصف بدقة رحلتها إلى العيادة النسائية بصحبة والديها، وفي غياب الأم عن المجلس، أخذت تروي مشاهد من أرض الحدث، جهاز فحص الحامل، التلفاز المتدلي من السقف، والغرفة المظلمة التي توفر رؤية أوضح للجنين، الجل المسكوب على بطن والدتها لتسهيل عملية «السكان» كما تصفها، جنس شقيقها المنتظر.
وتفاصيل أكثر خصوصية عن تلك الرحلة الأعجوبة، أحداث سكبتها الصغيرة على مائدة الحديث.. المفاجأة البادية على وجوه الحاضرات قطعت الطريق على أي محاولة لإسكاتها.. أفواه فاغرة .. وأخرى ضاحكة، عيون مستغربة، بينما ابتسامة ماكرة ترتسم على وجه الصغيرة، وهي توغل نحو المزيد من الأسرار، فحكايات العائلة على مائدة الأطفال وجبة دسمة، وردود الأفعال تفاوتت بين ساهم في الحديث ومساهم به، «واللي ما يشتري يتفرج».
تنقل الحديث باتجاه محطة أخرى وحدث ذي صلة، وهي لا تزال تسترق الاهتمام، فأصبحت الحاضرات على علم بأنه بعد استقبال المولود الجديد، تنوي العائلة الانتقال للسكن في منزل يتسع للأسرة المكونة من الجدة والأعمام، مرة أخرى.. عند الإصغاء لحديثها لا داعي للإلمام بالتفاصيل الصغيرة، فهي على استعداد أن تروي لك ما يستجد في البيت الكبير، وعلاقات القاطنين ببعضهم، مبديةً ملاحظاتها على سلوك الأفراد.
ساخطةً على «الفريج» كونه يغص بالجاليات التي لا تحبذ التواجد في محيطها مترفعةً عن مخالطة سكانه.. سعر المنزل الجديد أيضاً كان طبقاً على سفرة حديث مازالت تستأثر به الطفلة المعجزة، المدرسة التي تنوي العائلة نقلها إليها، المعلمات وتقييمها الشخصي لهن التهم وقتاً من الجلسة التي غادرتها النساء بانطباعات متباينة.. أهمها «يا امي اقروا على بنتكم .. الناس ما يقولون خير»..
خوف من الحسد، مجدداً! الانطباع يتوقف عند السطح ولا يخترقه.
تمرير تلك الأحاديث أمام الأطفال حتماً مسؤولية المحيطين بهم، والدان.. إخوان.. أصدقاء، انطباعات شخصية وعنصرية، وأسرار بهذا الحجم لا تصلح للتداول أمام ذاكرة متقدة، وملاحظة لم تخدشها أحداث الحياة بعد تحتفظ بالصور الأولى وتراكم فوقها صوراً وأحداثاً أخرى تتضح معالمها بعد حين، والصور أكثر ما يترسب في ذاكرة الطفل التي يُصنفها علم نفس الطفل، بأنها حسية، مرتبطةً بالصور أكثر من الكلمات، فتفاصيل تلك الرحلة باقية وأحداثها نحو المزيد من التحليل والتأويل في رأس الطفلة الصغير، وأسئلة أخرى في طريقها إلى التكوين.
اليوم، تدرك البنات لماذا مُنعن من حضور جلسات الأمهات أمام إلحاحهن الطفولي، وفضولهن البريء، فما تبثه تلك الجلسات لا يراعي مراحلهن العمرية، وقد يحرك سكون بحيرات الأسئلة الراكدة لديهن، التي تنمو بفضول وتنكسر أمام سيل الصدمات التي لا يحتملها إدراكهن الغض. فكم من عقدة طفولية حرمت أصحابها نشأة سوية. وتربوياً، الذاكرة الطفولية المتقدة أرض خصبة تستوعب زرعاً صالحاً يؤتي أكله ولو بعد حين.
الموقف أعلاه يستدعي شيئاً من الحنين، والسفر في ذاكرة الطفولة سلوك يستحضر جميع الحواس، وعند بوابته لا بد من أوراق ثبوتية وأشياء أخرى تتراكم في عمق تكوين كل منا ونشأته، دونها قد لا نكون نحن.. الطعم واللون والرائحة، الوقع الأول للأحاسيس، الانطباعات.. الأشخاص الذائبون في مداد القلب ساكنين حجراته، مذاق الأشياء الساكنة والمتحركة، لا بد محفوظ عن ظهر قلب وكل ذلك موصول بالانطباع الأول، واتساع الرقعة الوردية في ذاكرة الطفولة رهن الفكرة الأولى، المكتوبة بحبر مسكون بالأمان والفرح أو الخوف والجزع.
الحنين المتربع على أحاديث الطفولة عادةً ما يرتبط بأحداثها السعيدة، وشقاوة مغامراتها، وأفراحها البسيطة المتشحة بمذاق العيد وحلواه، ورائحة القناعة المكتنزة في أرواح الأطفال عطرت طفولتهم بسرور دائم، فلا شعور يوازي فرح العيد، ولا بهجة تفوق اقتناء الألعاب بالعيدية، كانت الألعاب مكافأة العيد التي يحرص على عرضها راعي الدكان أمام الصغار في مواسم العيد.. ألعاب اليوم، تبدو بلا طعم ولا رائحة، فهي متوفرة على مدار العام، وردود أفعال الأطفال مرآة تنحسر على سطحها معالم فرح فاتر، أشبه شيء من التعود أمام ألعاب لا تخاطب طفولة العالم الرقمي.
محرومون أطفال هذه الأيام من الطفولة، ومنتزعة البراءة من طفولة هذه الأيام، طفولة «اكسبرس» سابقت الزمن وعايشت أحداثه المستقبلية عبر نوافذ مشرعة على عوالم مترامية الأطراف، يختلط على حافتها الإحساس بالأمان والخطرفي آن معاً.
ترى أي شعور ستبث ذكريات أطفال هذه الأيام بعد انقضائها؟ هل ستتسع لألعاب العيدية؟ أي أحداث ستستأثر بالجرعة الأكبر من الحنين؟ « أصلاً »هل سيتملكهم إحساس بالحنين؟
يتضاءل عام بعد آخر عدد الأطفال المنسابين بين أزقة البيوت محتفين بالعيدية، قد تغيب بهجة الصوت واللون الكامنة في هتافات الأطفال وفساتين الفتيات و«كنادير» الصبية، تلك دعوة لرصد بقايا فرح قديم يتجدد بطفولة خجولة في صباحات العيد. وعيدكم وعيدنا مبارك ..
أمل الفلاسي
