بحضور صاحب السمو الشيخ سعود بن راشد المعلا حاكم أم القيوين شهد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة مساء أمس الأول المحاضرة التي ألقاها الدكتور أحمد بن محمد العيسى بعنوان «إحياء تراث المدرسة العقلانية الإسلامية» في مجلس سموه الرمضاني.

وتناول الدكتور العيسى مدير جامعة اليمامة بالمملكة العربية السعودية في محاضرته حالة العالم العربي والإسلامي في ظل التجاذبات الفكرية الحادة نتيجة تراكم التمزق السياسي والتخلف الحضاري.

وقال المحاضر إن إعادة إحياء تراث المدرسة العقلانية الإسلامية يوفر الأسس التي يمكن لتيارات الوسطية والاعتدال الاستناد عليها لقيادة المرحلة القادمة في التاريخ العربي والإسلامي وميزات المدرسة العقلانية.

وأستعرض العيسى في محاضرته غياب مفهوم «الوسطية» أو غياب مشروع لتيارات الوسط في المجتمعات العربية في ظل بروز تيارات التطرف الأصولي الإسلامي من جهة والتطرف العلماني من جهة أخرى.

وأوضح أن هناك أزمة حقيقية يشهدها الفكر العربي المعاصر هذه الأيام فالعرب حتى الآن لم يستطيعوا أن يؤسسوا لثقافة متوازنة تستند على إرث حضاري وثقافي عريق له قيمه وعلاقاته ونبضه الخاص وفي نفس الوقت قادر على التعامل بكل ندية وثقة مع الثقافات الأخرى يعطي ويأخذ يعلم ويتعلم وينافس بكل شرف وينخرط مع شعوب الأرض في بناء عالم جديد يستند على أسس وقيم إنسانية عالمية لم تعد خاصة بفريق دون آخر أو ثقافة دون أخرى أو جماعة دون أخرى.

وأضاف الدكتور العيسى بأن قيم الحرية وحقوق الإنسان والعدل والمساواة والتعاون للحفاظ على البيئة ومحاربة الفقر والجهل والمرض والمساعدة في جهود التنمية الشاملة كل هذه القيم والمثل العليا هي نتاج التاريخ الإنساني بكافة ثقافاته وليست حكرا لثقافة دون أخرى ولا لشعب دون آخر.

وأفاد المحاضر أن التعاون في المجال السياسي والعلمي والاقتصادي وفي مجال تطوير الصناعات والاختراعات كل ذلك أصبح ميداناً واسعاً وعميقاً تشترك فيه كل شعوب العالم بكل دياناتها وثقافاتها وعاداتها لا يتفوق شعب على شعب ولا ثقافة على أخرى إلا بالجهد الدؤوب والعمل المنظم بالتعليم وتسخير الإمكانات وتطوير القدرات البشرية واقتناص الفرص والمبادرة لمعالجة الأزمات والتعاطي الإيجابي مع الأحداث على الساحة الدولية.

وذكر الدكتور العيسى أن هذه المعادلة السحرية ليست مفقودة على مستوى التطبيق والتنفيذ فحسب ولكنها مفقودة قبل ذلك على مستوى التنظير والبحث والدراسة والتعليم.

وأكد المحاضر أن مفكرين كثيرين كتبوا عن علاقة الثقافة العربية المعاصرة بالتراث وتحدث آخرون عن علاقة الثقافة العربية المعاصرة بالعالم والثقافات الأخرى وتحدث القليل عن أهمية الاعتناء بالتراث والاستفادة من قيمه الأصيلة الحية وفي نفس الوقت الاستفادة من الثقافات الأخرى المعاصرة التي تكاد تكتسح العالم بقيمها ورموزها وعلاقاتها العامة والخاصة.

ونوه مدير جامعة اليمامة بأنه «مع الأسف» فإن هذه الدعوات لم تتحول حتى الآن إلى مشروع ثقافي شامل له تأثيره المباشر في حركة الثقافة العامة السياسية والاجتماعية في العالم العربي وإن كنا لا ننكر جهودا تجري هنا وهناك ومشاريع وبدايات تحتاج إلى مدرسة فكرية تدعمها وحس أدبي وعلمي رفيع يصقلها وجهد سياسي يدفع بها إلى الأمام.

ولفت إلى أنه عندما نتأمل في تطور الفكر العربي المعاصر نجد أن العرب والمسلمين بشكل عام بعد أن حاولوا النهوض من مرحلة الانحدار الثقافي والحضاري الشامل الذي تجاوز في عمره الزمني الخمسة قرون فصلت مابين تاريخهم الزاهر وتاريخهم المعاصر وحصل فيها انقطاع حقيقي في تراكم المعرفة والعلوم والاختراعات والتقدم الصناعي والتجاري والزراعي لم يسلكوا الطريق الصحيح للنهضة الثقافية والحضارية حتى الآن على الرغم من الموجات الفكرية المتعاقبة التي حاولوا من خلالها البحث عن الحل السحري والمعادلة المفقودة.

وقال الدكتور العيسى فى محاضرته: لقد جاءت إحدى الموجات الكبيرة تنادي بالنهضة على أساس القومية العربية التي تستند على وحدة العرق ووحدة اللغة ولكنها فشلت في تحقيق طموحات الشعوب العربية وذلك عندما حاولت استبعاد الدين وتنكرت للتراث بسبب اعتقاد بعض المفكرين أن الانتماء الديني يتعارض مع فكرة القومية التي يمكن أن ينضم تحت لواءها أبناء كل الأديان السماوية وغير السماوية.

استغلال الهزيمة

وأوضح أن القومية العربية فشلت في تحقيق نهضة حقيقية وتنمية جادة سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي فأدى ذلك إلى ردود فعل بسبب اليأس الذي أحاط بالعرب نتيجة النكسات السياسية والهزائم العسكرية فبرزت على السطح موجات مناهضة لفكرة القومية ومبادئها أبرزها انطلق باتجاه الدين فكانت تلك الحركات الإسلامية السياسية التي استخدمت الدين كوسيلة لكسب الأنصار فوعدت بإستعادة أمجاد الأمة ومحاربة الفساد ومقاومة الطغيان.

وأضاف أن تلك الحركات فشلت سريعا وبصورة لم تكن في الحسبان حتى عند محللي الغرب السياسيين ومفكريه الأيديولوجيين بسبب عدم امتلاكها لأدوات المعرفة بتعقيدات الحياة السياسية وتمسكها بأحلام تاريخية ونتيجة لهذا الفشل سحبت البساط من تحتها التيارات الدينية السلفية التي سعت لإعادة إحياء التراث الإسلامي الفقهي كما كان عند علماء السلف في القرون الثلاثة الأولى الهجرية.

وأفاد الدكتور العيسى أن السؤال المطروح اليوم هو: هل يمكن أن نتنبأ بقيام مشروع نهضوي جديد أومدرسة فكرية مختلفة تحاول أن تستلم زمام المبادرة وتعيد للعرب والمسلمين بعضا من اتزانهم وتحاول أن توجد لهم مكانة مختلفة وتحافظ على موقعهم بين الأمم وتفتح لهم بابا من الأمل وبابا من الثقة وبابا من الاعتراف بأخطاء الماضي وتوهمات الحاضر.

وقال المحاضر إن الجواب بالمختصر المفيد هو نعم فقد بدأنا نتلمس شيئا من المراجعة والنقد القاسي للمسلمات الفكرية وللانحرافات المنهجية ولهذا أرى أن الوقت قد حان لقيام مدرسة فكرية جديدة لن تكون بعيدة عن الدين وإشراقاته ولن تكون متنكرة للتراث وكنوزه ولن تكون بعيدة عن الواقع ومشكلاته ولا عن المستقبل وتحدياته.

فقدان الصدارة

ونوه بأنه يجب على هذه المدرسة أن تمتلك من الشجاعة والتواضع لتقول أن تاريخ العرب والمسلمين كان مثل تاريخ الشعوب الأخرى فيه من التفوق والإشراق الشيء الكثير وفيه من الإخفاق والمآسي الشي الكثير أيضا وتملك من الشجاعة والتواضع لتعلن أن العرب والمسلمين كانوا جزءا من منظومة الحضارة الإنسانية ولم يكونوا كل شيء.

نعم كانوا يملكون في وقت من الأوقات عناصر التفوق الحضاري والقوة العسكرية ولكنهم فقدوا مركز الصدارة لأمم أخرى اعتنت بالعلم ودور العلم وبالعقل وتنمية التفكير والتخطيط والتعليم وبدور الفرد في صناعة الحضارة.

ولفت العيسى إلى أنه يجب على هذه المدرسة أن تمتلك من الشجاعة لتقول إن العالم لم يعد كما كان في الماضي وأن القفزات التي حصلت في حضارة الإنسان خلال المائة العام الماضية فاقت تطور الإنسان خلال تاريخه كله، وأن دور العرب والمسلمين في هذه القفزة كان ضئيلا ومتواضعا ولكن المدرسة يجب أن تعترف بأن الوقت لم يزل متاحا لكل حضارة بأن تسهم في مزيد من التقدم متى امتلكت زمام العلم وطوعت العقل نحو مزيد من التفكير والبحث والعلم والمشاركة ومتى كانت قادرة على التعلم أكثر من قدرتها على الإدعاء بامتلاك أسباب النهضة وهي بعيدة كل البعد عن ذلك.

وأشار المحاضر إلى أنه يمكن تعريف المدرسة العقلانية الجديدة بأنها مدرسة فكرية تسعى إلى نهضة عربية شاملة تستند على دور العقل المبدع والخلاق في خلق فرص المستقبل وتحقيق التنمية بكافة أبعادها مستمدا قوته من إيمانه بالله ومستلهما طاقاته من المبادئ الإسلامية الروحانية والأخلاقية العظيمة معتزا بتراث الأمة وقيمها وتقاليدها منطلقا ومستفيدا من انجازات البشرية والأمم الأخرى باحثا عن العلم والمعرفة والحكمة أينما كانت منفتحا على علوم وثقافات الدنيا بوعي وثقة ومساهما في تطور البشرية فكما يحق له أن يأخذ فمتوقع منه أن يعطي ويساهم.

وتساءل الدكتور العيسى فى محاضرته:« هل يمكن أن نجد في تاريخنا الفكري العربي والإسلامي أسس لهذه المدرسة ومبادئ تستند إليها ومناهج تسترشد بها؟» وقال المحاضر إنه يعتقد أننا إذا قرأنا تاريخنا العربي الإسلامي بصبر وأناة وتأملنا في إنجازاته العلمية والحضارية لرأينا خيطا مشتركا يمكن أن نعيد فيه رص تلك الجواهر واللالئ في عقدها من جديد ونعتبر ذلك أساس لمدرسة فكرية لم يكتمل بناؤها ولم تتحدد ملامحها ولكنها جديرة بالاقتباس وجديرة بالاستلهام وجديرة أن نبني عليها طريقنا نحو مستقبل أفضل من واقعنا المعاصر.

وأشار الدكتور العيسى إلى أربع ملاحظات مهمة تحدد بعض القضايا التي ستواجه المدرسة العقلانية الإسلامية في المستقبل أولها يرجع كثير من المفكرين العرب جذور العقلانية في التاريخ الإسلامي إلى المعتزلة وهي الفرقة التي نشأت في صدر الدولة العباسية وكان لها حضور قوي في عهد المأمون والمعتصم.

صحيح أن المعتزلة استخدموا المنطق في الرد على الباطنية واستخدموا بعض استنتاجات الفلسفة اليونانية ووضعوا علم الكلام ومنحوا العقل مكانة في الاستدلال واختلفوا مع أهل الحديث في علاقة العقل بالنقل ولكنهم كانوا فرقة من الفرق وتنظيم سياسي تحول فكره إلى أيديولوجيا سياسية ولهذا انتهى ارثهم الفكري بنهاية الأسباب السياسية التي منحتهم قوة وتأثيرا في فترة من مراحل التاريخ.

مفهوم ضبابي

وقال الدكتور العيسى إن المدرسة العقلانية الإسلامية إن أراد الله لها أن تتبلور في هذا العصر فلن تكون أسيرة لتجربة أيديولوجية نشأت في الماضي بل يجب أن تتسامى على جميع الفرق والمذاهب التي نشأت خلال تاريخ المسلمين.

وأوضح أن الملاحظة الثانية تتمثل فى ان مفهوم الوسطية الذي كثيرا ما يطرح في الساحة الفكرية العربية كمخرج عندما تشتد الأزمات وترتفع حرارة الجدال لا يزال مفهوما ضبابيا غير واضح المعالم. فالآية الكريمة «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس» لا تدل بحال من الأحوال على أن الفكر السوي هو وسط بين نقيضين فقد فسر العلماء مفهوم الوسط هنا فقالوا «خيار الأمم» وأجود الأمم ومنهم من قال الوسط هو العدل.

وعموما لو صح القول في وسطية الإسلام بين الديانات الأخرى لكان ذلك مناسبا في باب العقيدة ولكن في باب الفكر فإن الوسطية قد تتحول إلى مشروع توفيقي بين تيارات فكرية متناقضة ولا يصح أن يبنى عليها مشروعا نهضويا حقيقيا. فنقول هنا إن مفهوم العقلانية الإسلامية ينبغي أن يكون مشروعا مستقلا له فلسفته الخاصة وبناءه الفكري ولا ينبغي أن يتحول إلى مشروع توفيقي بين التيارات الدينية الأصولية والتيارات العلمانية في العالم العربي.

وأضاف أن الملاحظة الثالثة هى إن المدرسة العقلانية الجديدة في الوقت الذي تستند فيه إلى إرث فكري أصيل في نصوص ديننا وفي انتاج علماء المسلمين ومفكريهم إلا أنها تعترف بأن العلوم الحديثة التي تأسس معظمها في الغرب قد تجاوزت كثيرا النتائج التي توصل لها علماؤنا السابقين سواء أكان ذلك في علوم التاريخ والاجتماع أو في العلوم الإنسانية الأخرى كالفلسفة والآداب إضافة بالطبع - إلى العلوم الطبيعة من علوم الكيمياء والفيزياء والرياضيات والطب والفلك ولهذا فإن ما ننشده اليوم هو تأكيد أن الدين والقيم والتقاليد العربية تحث على استخدام العقل والتفكير المنطقي والتحليل الفلسفي.

ونوه المحاضر بأن الملاحظة الرابعة تتمثل فى إن إعادة تأسيس قدرات العقل المسلم يجب أن تبدأ من مراحل الطفولة ومراحل التعليم الأساسي. فالتعليم الذي يعتمد على الحفظ والتلقين وتقديس الماضي لن ينتج عقولا واعية مدركة وممتلكة لأدوات التفكير والتحليل والبحث.

وحل المشكلات منوها بأهمية تخليص العلوم الإنسانية المعاصرة من المسلمات الفكرية التي بنيت على ما توصل إليه علماء ومفكرون عاشوا في عصر المخطوطات وصعوبة الاتصال وشظف العيش وانعدام التقنية ومن ثم حشرها في عقول الصغار الذين يتعاملون اليوم مع التقنيات الحديثة ومع وسائل الاتصال الفائقة السرعة ويعيشون في عالم شديد التعقيد انهارت فيه الحواجز والحدود الجغرافية والسياسية والاقتصادية وتعددت في الثقافات وتداخلت فيه المصالح.

وفي ختام المحاضرة أكد الدكتور أحمد بن محمد العيسى أنه عندما جاء زائراً لهذه المدينة الفاضلة أبوظبي وهي بالتأكيد ليست مدينة أفلاطون الفاضلة ولكنها تحتل اليوم المركز الذي احتلته بغداد في عهد الرشيد والمأمون أو قرطبة في عهد عبدالرحمن الناصر أو الموحدين.

ابوظبي منارة الاشعاع

وقال مدير جامعة اليمامة إن أبوظبي تمثل اليوم القلب النابض للثقافة والإبداع مركز الإشعاع الحضاري الجديد في العالم العربي فاحتضان أبوظبي لفرع جامعة باريس «السوربون» وهي الجامعة العريقة في الفلسفة والأداب والتاريخ لهو فرصة عظيمة للنهل من علوم الآخرين وللاستفادة من علماء نذروا أنفسهم للعلم وللثقافة وللعطاء الإنساني.

وأفاد المحاضر أن إنشاء فرع لمتحف اللوفر في مدينة أبوظبي ذلك المتحف الباريسي العابق بإبداعات الإنسان في مجال الفنون والتشكيل والمسرح لهو أفضل هدية تقدمها أبوظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة للمنطقة بأسرها. كما أن لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث دورا مشهودا لإحياء التراث العربي ووصل الماضي بالحاضر وربط التاريخ بالجغرافيا. ولا أنسى أيضا جائزة الشيخ زايد «رحمه الله» للكتاب وغير ذلك من النشاطات العلمية والثقافية.

كما شهد المحاضرة سمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي ولي عهد ونائب حاكم رأس الخيمة وسمو الشيخ عبد الله بن راشد المعلا نائب حاكم أم القيوين وسمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان مستشار الأمن الوطني والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي ومعالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة التجارة الخارجية وعدد من الشيوخ والمسؤولين والضيوف والمدعويين.