يظن كثير من الناس أن الصيام هو مجرد الامتناع عن الطعام والشراب ومباشرة النساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فتراهم قد أطلقوا العنان لجوارحهم ان تخوض في المحرمات و اللهو والباطل يشغلون بها أوقاتهم وهذا تصور خاطئ لحقيقة الصيام وآثاره.
فما يفعله هؤلاء هو أهون الصيام كما أخبر بعض السلف: «أهون الصيام ترك الطعام والشراب». أقول لهؤلاء: إن الصيام الشرعي ليس مقتصراً على الطعام والشراب والجماع فحسب، بل لابد من إمساك الجوارح عن اقتراف الآثام والذنوب والمعاصي. يقول جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنهما ـ «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن المحارم ودع أذى الجار وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء». فليتنبه الإنسان وليبتعد عن كل ما ينقص الصوم ويضعف الأجر ويغضب الرب تعالى من سائر الذنوب والمعاصي كالتهاون بالصلاة وأكل الربا والظلم وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم والغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور وسماع الغناء ومشاهدة المحرمات ونحوه، وغير ذلك فيما نهى الله تعالى عنه ليتحقق بذلك معنى الصيام بمفهومه الصحيح.
وهنا أتساءل كيف تصوم الجوارح؟
يقول أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ في الإحياء مبيناً لنا درجات الصيام وأنها ثلاث درجات: صوم العوام، وصوم الخواص، وصوم خواص الخواص.
فالأول صوم العوام: وهو الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة.
والثاني صوم الخواص: وهو صوم سائر الجوارح.
والثالث صوم خواص الخواص: وهو صوم القلب.
صيام القلب
ولقد بدأت به لأن القلب هو العمدة في جسد الإنسان هو الآلة المحركة للجسد وهو مكمن الخير والشر، ومنه ينطلق هذا أو ذاك إلى الجوارح الظاهرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».
لذلك أخبر الله تعالى أن أي عمل لا ينفع الإنسان يوم القيامة إلا إذا كان سليم القلب نقي الفؤاد، فقال تعالى: «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم». فصلاح القلب عليه مدار السعادة في الدنيا والآخرة وفساد القلب فيه الهلاك والبوار الذي لا يعلم مداه إلا الله تعالى. قال تعالى «إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد».
إن لكل مخلوق قلب، ولكنه في الحقيقة ثلاث قلوب:
فالأول: قلب سليم صحيح حي نابض بالنور مشرق بالإيمان ممتلئ باليقين عامر بالتقوى عامر بحب الله يعرف ربه بأسمائه وصفاته كما وصف تعالى نفسه قلب فيه نور وهاج لا تبقى معه ظلمة، نور الرسالة الخالدة والتعاليم السماوية والتشريع الرباني.
والثاني: القلب المريض السقيم وهذا مليء بالخراب والدمار ولا أريد به قلوب الكفار فحسبهم ما هم عليه من وبال، إنما أقصد قلوب أهل الإيمان لكن هذه القلوب انطوت على مشاعر خبيثة من الكبر والحسد والعجب وغيرها من الآثام.
قال الله تعالى عن هذه القلوب «في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً»، وقال تعالى: «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها». فالقلوب تمرض ويطبع عليها وتقفل وتموت.
والثالث: القلب الميت وهو قلب الكافر. إن قلوب هؤلاء المشركين معهم في صدورهم ولكن لهم قلوب لا يفقهون بها، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عكرمة بن أبي جهل وخالد بن الوليد ويقول سبحان الله يخرج الحي يشير إلى عكرمة وخالد من الميت ويشير إلى أبي جهل والوليد.
فقلب المؤمن يصوم في رمضان وفي غير رمضان وصيامه يكون بتفريغه من المادة الفاسدة والشركيات المهلكة والاعتقاد الباطل ومن النوايا الخبيثة والخطرات الموحشة.
يصوم عن الكبر.. لأنه يفطر فلا يسكن الكبر قلب المؤمن لأنه الحرام فإذا سكن الكبر قلب المؤمن أصبح صاحب هذا القلب مريضاً سفيهاً وأصبح صاحبه من أشقى الخلق لأن الله تعالى يبغضهم ويبعدهم كما قال سبحانه: «إنه لا يحب المتكبرين» ولأن الله يطبع على قلوب المتكبرين بالشقاء والتعاسة قال تقدست أسماؤه: «كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار»، ولأن الكبر قل أو كثر يوقع صاحبه في النار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبه الله على وجهه في النار».
وقلب المؤمن يصوم عن الحقد، والحقد هو إخماد الشر وطلب الانتقام وقد ورد الحقد في القرآن الكريم بمعنى الضغن في قوله تعالى عن المنافقين الذين أضمروا للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: «أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم»، والحقد من كبائر الباطن ومظالم القلوب قال صلى الله عليه وسلم: «إن النميمة والحقد في النار لا يجتمعان في قلب مسلم».
وقلب المؤمن يصوم عن الطمع، وهو عدم الاكتفاء بما أوتي من نعم الله وانشغال القلب بغيره، قال تعالى: «فيطمع الذي في قلبه مرض» والطمع يكون في الأموال وفي أي شيء يملكه الآخرون، وهؤلاء الطامعون لا يزيدهم الله إلا فقراً وخسراً قال صلى الله عليه وسلم: «عليك باليأس مما في أيدي الناس وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر وصل صلاتك وأنت مودع وإياك وما يعتذر منه» أخرجه الطبراني.
صوم اللسان
للسان صوم خاص يعرفه الذين هم عن اللغو معرضون لأنهم أدبوا ألسنتهم في رمضان وفي غيره لأنهم عرفوا خطر هذا الثعبان وعلموا ان الكلمة الطيبة لا تثمر إلا خيراً وأن الكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة لا تثمر إلا شراً، ولذلك علق النبي صلى الله عليه وسلم كمال الإيمان على القول الحسن فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر ان الفاحش البذيء من الذين يحشرون في النار على وجوههم فقال: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم».
لقد كان سلف هذه الأمة كلهم يعلم خطر اللسان فها هو أبوبكر رضي الله عنه يأخذ بلسانه ويبكي ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. وابن عباس رضي الله عنهما يقول للسانه: يا لسان قل خيراً تغنم أو أسكت عن شر تسلم.
رحم الله مسلماً حبس لسانه عن الخنا وقيده عن الغيبة ومنعه عن اللغو وحبسه عن الحرام. هؤلاء لما تأدبوا بأدب القرآن والسنة وزنوا ألفاظهم واحترموا كلامهم، فكان نطقهم ذكراً ونظرهم عبراً وصمتهم فكراً ورحم الله القائل:
لسانك لا تذكر به عورة امرئ
فكلك عورات وللناس ألسن
فكيف يصوم من أطلق العنان للسانه ينهش في أعراض الناس ويكذب ويشهد الزور ويغتاب المسلمين ويسخر من هذا ويلعن هذا. كيف يعد صائماً وهو لم يكف أذاه عن المسلمين؟
قال صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». فيا أيها المسلم اعلم ان الله أحاطك بملائكة تسجل عليك ما تقوله من حق أو باطل، قال تعالى: «إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد».
والرسول صلى الله عليه وسلم يحذرك من فساد صومك إذا لم تمسك لسانك. فيقول: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
صيام العين
والعين تصوم بغضها عن الحرام وإغماضها عن المناهي في نهار الصيام وليله. وفي كل وقت لأن كثيراً من الناس بعد الإفطار يتجه للتلفاز فيشاهد ويستمع للمحرمات ظناً منه انه بمجرد فطره قد حلت له المحرمات.
إن النظرة سهم مسموم آثرها يستمر، وإن غاب المنظور إليه تشغل فكراً فتورث هما وإن عينا الإنسان هما النافذة المطلة من جسم الإنسان إلى هذا الكون فينطبع ما تراه العين في القلب من خير وشر من حسن أو قبيح فينعم أو يشتهي يفرح أو يحزن فأصل ذلك كله من النظر.
ولقد أمر الله عباده المؤمنين بالغض من الإبصار لأن صاحب الصنعة أدرى بصنعته والأمر بإصلاح النفوس والقلوب أعلم بما فيه صلاحها.
راية خميس المحرزي

