نقدًا أم عينًا؟ تلك هي القضية التي تثار بصفة سنوية مع قرب انتهاء شهر رمضان حول صورة إخراج زكاة الفطر، فبينما يرى البعض أن الأصل هو إخراج الزكاة عينًا، يرى آخرون أن إخراجها نقدًا أجدى وأنفع للفقير، ولاسيما في ظل معطيات العصر الحديث.

وما بين الرأيين، يشير د. محمد زناتي، عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، إلى أن فقهاء الحنفية أباحوا إخراج قيمة الزكاة مقدرة بالأموال بدلاً من إخراجها عينًا، موضحًا أن هذا الرأي مناسب جدًا للفقير الذي يدرك احتياجاته جيدًا أكثر من أي شخص آخر كما أن إعطاءه الزكاة في شكل أموال يعطيه حرية إنفاق هذه الأموال، وفقًا للأولويات التي قد تختلف من شخص لآخر. ويجوز أيضًا، وفق زناتي، توجيه أموال الزكاة لإعداد موائد الرحمن وشنطة رمضان كما يجوز أيضًا كساء الفقير وذلك وفقًا لما يتراءى للمزكي الذي يقدر مدى احتياج الفقير.

ويشير إلى أن هناك اختلافًا بين العلماء حول ما إذا كان الأجدى هو توجيه الزكاة إلى المصارف الثمانية الشرعية بالتساوي أم توجيهها إلى مصرف واحد، موضحًا أن الاختلاف في هذا الأمر هو اختلاف في التفسير وليس في الأصل وبالتالي فهو اختلاف صحي، فقول أحد الفقهاء أو العلماء قد يتناسب مع حاجة المسلمين في عصر وقد لا يتناسب مع عصر غيره، فتأخذ برأي آخر، وفي النهاية فإن كل هذه الآراء صحيحة وشرعية ما دامت لا تتعارض مع أصل الدين.

ويوضح د. منيع عبدالحليم، عميد كلية أصول الدين الأسبق، أن الخلاف حول صورة إخراج الزكاة يكثر في نهاية شهر رمضان من كل عام حيث يرى البعض إخراجها عينًا، وهذا قول صحيح إلا أن ذلك قد لا يتناسب مع المجتمعات المدنية حيث إن هذا الأمر قد يثقل على الفقير الذي يبحث عن مطحن أو ما شابه ذلك لطحن الغلال التي يحصل عليها وقد يضطر للبحث عن سوق ليبيعها لذا فإن إخراج الزكاة عينًا في مثل هذه المجتمعات قد لا يحقق الغرض منها وهو إغناء الفقير لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اغنوهم).

يوضح منيع أن إرغام الفقير على أخذ الزكاة عينًا لا يتفق مع روح الشريعة الإسلامية وسماحتها، مشيرًا إلى أن إعطاء الزكاة للفقير نقدًا يجعل منه شخصًا منتجًا فقد يشتري بقيمتها أداة إنتاجية تساعد على توفير احتياجاته واحتياجات أسرته مثل ماكينة خياطة أو أدوات للتجارة أو الحدادة أو مركب للصيد.. وذلك على العكس تمامًا من إخراج الزكاة عينًا حيث ينتهي أثرها باستهلاكها.

مصلحة الفقير

ويؤكد د. معاذ عبدالله غزالة، أستاذ أصول الدين، أن القصد من زكاة الفطر هو تحقيق مصلحة الفقير التي قد لا تحقق في حال إخراجها بصورة عينية سواء كانت حبوبًا أو غلالاً أو ما شابه ذلك لأن احتياجات الفقير ليست واحدة، فهناك من يحتاج الغذاء وهناك من يحتاج الكساء، وهناك من يحتاج الدواء وهكذا، ولذا فإخراج الزكاة نقدًا أجدى وأنفع للفقير باعتباره أكثر إدراكًا لاحتياجاته من غيره.

ومع ذلك - كما يضيف معاذ - فإن هناك حالات يكون إخراج الزكاة فيها عينًا أفضل من إخراجها نقدًا كأن يكون المزكي عليه مدخنًا أو شاربًا للخمر وفي هذه الحالة قد يستخدم أموال الزكاة في إنفاقها على هذه المحرمات بدلاً من إنفاقها على احتياجاته واحتياجات أسرته، لذا فإخراجها عينًا مثل هذه الحالة أجدى وأنفع.

ويوضح أن للعلماء في مقدار ما يستحقه الفقير والمسكين من الزكاة مسلكين، فمنهم من يرى أن الإعطاء حده (الكفاية) فلا يعطي المحتاج إلا بمقدار ما يسد كفايته ويقضي حاجته، ومنهم من يرى أن حد العطاء هو (الإصلاح) فرأوا أن الفقير يعطي من الزكاة حتى تخرجه من حد الحاجة إلى حد الغني بل يعطي ما يكفيه في عمره كله بتقدير العمر الغالب لأمثاله، وبالتالي فإذا كان المحتاج صاحب حرفة أعطى من الآلات في حرفته ما يكفيه لتمام النفقة عليه وعلى عياله وإن كان صاحب علم أعطى من المال ما يغنيه وعياله ويفرغه لهذا العلم طيلة عمره من كتب ومستلزمات أخرى.

وبناء على ذلك - والكلام لأستاذ أصول الدين - يجوز توجيه الزكاة للإنفاق في مجال التعليم وإتمام الدراسة أو لمن يحتاج إلى مؤهل علمي للانخراط في وظيفة تدر عليه دخلاً يكفيه ومن يعوله، حيث اقتضت طبيعة العصر وتوقف الوظائف فيه على المؤهلات العلمية أن صار المؤهل بالنسبة للفرد كالآلة بالنسبة للحرفي.

اختلاف المقاصد

ويقول د. محمود عبدالخالق حلوة، أستاذ الحديث إن إخراج القيمة المالية لزكاة الفطر جائز، وهو أفضل في هذه الأيام من إخراج الطعام؛ لأن المال أنفع للفقير في ظل تنوع واختلاف حاجاته ومقاصده.

ويوضح أنه يجوز للمزكي أن يشتري بقيمة زكاته أشياء عينية تنفع الفقير في سد حاجته وكفايته أو أن يدفع قيمة زكاته إلى من يكون وكيلاً عنه في ذلك، فقد روي أن معاذا، رضي الله عنه، قال لأهل اليمن (ائتوني بعرض ثياب أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة)..

حيث إن معاذا لم يقل ذلك إلا على جهة المصلحة من باب أن ذلك أيسر على أصحاب الأموال، حيث كان أهل اليمن مشهورين بصناعة الثياب ونسجها، وكان دفعها أيسر عليهم مع حاجة أهل المدينة إليها. وهذا أيضًا ما كان يفعله عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حيث كان يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم.

أجدى وأنفع

ووفق ما يؤكده د. أحمد طه ريان أستاذ الفقه المقارن فإن للإسلام مقاصد يتم تحقيقها بوسائل يشترط فيها موافقة الشرع، أما المقاصد فثابتة بينما تتغير الوسائل لتناسب كل زمان ومكان، فإذا كان القصد من زكاة الفطر تحقيق مصلحة الفقير فإن إخراجها نقدًا يحقق ذلك، خاصة أنها تتناسب مع معطيات العصر الذي نعيشه.

ويوضح طه أن الأصل في إخراج الزكاة هو المال وأن إخراجها في صورة عينية لا يكون إلا للضرورة كحاجة المريض إلى دواء أو الفقير إلى غذاء، مشيرًا إلى أنه عدا بعض هذه الضرورات فإن إخراجها نقدًا أجدى وأنفع للفقير، خاصة أن ذلك يمنحه حرية الاختيار بين احتياجاته التي يمكن تحقيقها بالزكاة النقدية.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية