بالرغم مما تحمله فتاوى الفضائيات وبرامجها الدينية من تخبط وتضارب وانفلات، إلا أن القنوات الفضائية والدينية بوجه خاص خاضت خلال شهر رمضان من هذا العام منافسة شرسة على تقديم البرامج الدينية التي سجلت أكبر نسبة زيادة مقارنة بالأعوام السابقة، وليس هذا فقط، بل استعانت بأشهر الدعاة في ظاهرة لم تشهدها القنوات الدينية من قبل.. فهل أثمر هذا التنافس بين البرامج الدينية على تقديم رسالة هادفة للمسلمين خلال شهر رمضان، أم كان التنافس شكلياً بهدف الاستحواذ على كم كبير من الإعلانات دون النظر إلى مضمون ما تقدمه؟!

وبقراءة سريعة في خريطة البرامج الدينية خلال شهر رمضان، يتضح هذا الكم الكبير من البرامج الدينية، فعلى قناة «الرسالة» على سبيل المثال تابع المشاهدون نحو 15 برنامجاً دينياً، فيما قدمت «الرسالة» نحو 20 برنامجاً، وتباينت أعداد البرامج الأخرى التي تقدمها قنوات مثل «المجد» و«الحكمة» و«الرحمة» إلا أن القاسم المشترك بينها أنها في ازدياد مستمر، واللافت أيضاً أنه لم تقتصر المنافسة في تقديم البرامج على القنوات الدينية فقط وغيرها، بل امتدت إلى قنوات أخرى مثل «دريم» و«المحور» و«دبي».. وكان لافتاً أيضاً وجود عدد كبير من مفتيي الدول العربية في هذه البرامج على رأسهم الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، والدكتور أحمد بدر الدين حسون مفتي سوريا، والداعية السعودي الشهير محمد العريفي.

وقد تنوعت هذه الفضائيات في الموضوعات التي تتناولها؛ ففيما ركزت بعض القنوات على تقديم الدين بمفهومه الصحيح وفق متطلبات العصر، اهتمت قنوات أخرى بالعلاج بالقرآن والأعشاب والرقية الشرعية.

وحول مدى الإضافة التي قدمتها البرامج الدينية في رمضان، سألنا الدكتور صفوت العالم، أستاذ الإعلام جامعة القاهرة، فقال: «إن من تابع البرامج الدينية في الفضائيات يجد أن غالبيتها تناول العديد من القضايا بطريقة تتفق مع روح العصر، وتنتقد الفكر الغربي المضلل، بعد أن كانت هناك قواعد إلزامية في وقت سابق لكل من يظهر على تلك القنوات بمنع تبادل الاتهامات وخروج الخلافات إلى العلن أياً كان حجمها».. وأرجع العالم هذا التحول إلى أن ظهور الصراع الساخن بين القنوات الفضائية جعلها ترفع شعار «كل الأسلحة مشروعة» مثل الهجوم المتبادل والتقليل من نجاح المنافسين وتصيد الأخطاء.

واللافت هذا العام، والكلام للعالم، هو ظاهرة خطف المشاهير والدعاة ممن يتمتعون بشعبية ضخمة لأجل جذب المشاهد والقفز على بعض القضايا التي فجرتها قنوات أخرى منافسة وسرقة أفكارها دون إشارة إليها؛ علماً أن هذا السلوك ينتقده المشاهد في النهاية حيث تظهر هذه القنوات كفاقدة للثقة والمصداقية.

ويؤكد العالم عدم وجود أي مبرر لوجود صراع بين القنوات الدينية بالذات؛ لأنه من المفروض أنها تقدم خدمة دينية في المقام الأول دون أن يكون للمكسب المادي أي هدف من ورائها؛ لكنها ابتعدت عن هذا الخط تماماً، والدليل على ذلك أنه في رمضان كانت الفنانات المحجبات وبعض الدعاة ورقة في هذا الصراع حيث حاولت كل قناة الفوز بأسماء شهيرة دون أن تهتم أصلاً بما تقدمه هذه الأسماء من خدمة دينية للجمهور.

وأوضح أن معظم الفضائيات الدينية أعلنت عن نفسها من خلال أسماء وصور النجوم الذين يعملون معها وليس من خلال المضمون الذي تقدمه للناس، لكن في النهاية يبقى للمشاهد حق اختيار القناة التي يريدها؛ لأن الواقع يؤكد أن هذا الصراع لن يتوقف؛ فالفترة القادمة ستشهد سخونة أكبر، خاصة مع ظهور قنوات جديدة برؤوس أموال ضخمة تريد أن يكون لها مكان أيضا.

بدورها قالت د. ليلى عبدالمجيد، أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة: «إن مساندة الفضائيات للدعاة الجدد ساعدت القنوات على استعادة نشاطها الخامد رغم كثرة النقد الموجه إلى هؤلاء الدعاة بسبب إعلاناتهم المنتشرة في الشوارع وملابسهم الفاخرة».. لكنها تلفت أن هناك من الدعاة من أحكم قبضته على القنوات الجديدة فطردوا منها جميع النساء العاملات أمام الكاميرا وخلفها، وأصروا على الظهور بالجلباب الأبيض فقط دون أي ديكورات أو مؤثرات خاصة.

إضافة إلى ذلك ترى أنه لا توجد رؤية واضحة للعديد من القنوات فتكون أحياناً مجرد برامج لملء ساعات البث بأي طريقة، ويتجلى ذلك في وجود برامج على نفس القناة تعارض بعضها وتناقض ذاتها.. فضلاً عن ذلك فإن هناك من البرامج ما يفتقد للموضوعية، ويتجه إلى تسييس الدين، وتفوح منها التبعية التي تؤثر في مصداقيتها حيث يأتي مبدأ الربحية على حساب المادة المنتقاة لخدمة نخبة معينة هم أصحاب رؤوس الأموال.

بالإضافة إلى أن بعضها يأخذ شكلاً متحجراً دون مضمون يجذب المشاهدين، علاوة على فقدها لكثير من المقومات المطلوبة لإيصال الرسالة الإعلامية للجمهور على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية. ورغم تلك السلبيات التي تظهر في عمل القنوات الدينية، فإن عبدالمجيد ترى أنه لا خلاف على أنها سدت حيزاً كبيراً بالفعل من الفراغ الذي تشكوه الساحة الإعلامية فيما يختص بالإعلام الديني، حيث أسهم بعضها في تجديد الخطاب الديني، ودعمت جهود الدعوة بالاستعانة بالمشاهير مثل الشيخ يوسف القرضاوي والداعية عمرو خالد وغيرهما؛ بالإضافة إلى عدد من الممثلات المعتزلات فيما يشبه نظرية الترغيب.

وفيما يتعلق بفوضى الفتاوى التي تتسبب فيها هذه القنوات، تقول د. سعاد صالح، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: «إننا أصبحنا في رمضان وفي غير رمضان أمام «هوس» إعلامي في مجال الفتوى لدرجة أصبح من الممكن لكل فرد قرأ كتاباً أن يصبح مفتياً بعد أن تركت الفضائيات الحبل على الغارب لأنصاف الدعاة.. فضلاً عن ذلك فقد حصرت بعض الفضائيات نفسها في مجال العقيدة فقط مع أنه ليس عيباً أن تتحدث تلك القنوات عن الرياضة والاقتصاد في إطار مرجعية الإسلام، لأن الإسلام دين ودنيا»..

لكن يبدو، والكلام لصالح، أن الهدف الرئيسي أصبح الربح من خلال مضامين لا تهتم بالقيم أو الوسطية حتى غابت عقول الجماهير بسبب أشخاص غير دارسين أو متخصصين في الشريعة الإسلامية، وليس لهم علاقة بالدين الحنيف مع أن الدين الإسلامي ذاته يقوم على التوازن بين مطالب النفس ومطالب الروح، وليس أداء العبادات على مدار 24 ساعة. في حين تشير الدكتورة آمنة نصير، أستاذ الفلسفة الإسلامية، إلى أن ترويج الفضائيات الدينية لمضامين دينية متطرفة أصبح مسألة مزعجة للغاية، حيث تؤدي إلى تأثر الكثير من الجمهور خصوصاً الفئات التي لا تعرف الثقافة الدينية أو الوسطية..

موضحة أننا نعيش حالة من الفوضى الفكرية نتيجة البث غير المرشد الذي لا يراعي صالح الدين، مما أدى إلى فوضى سلوكية لبعض شرائح المجتمع. المشكلة هنا، كما تقول نصير، في عدم التخصص ممن يقدمون الفتوى أو البرامج الدينية، وبالتالي يفتقد معظم ما يقدم الآن إلى الدقة نتيجة أن الذين يقدمون هذه الفتاوى لا يبالون بأمانة الكلمة التي تبث على الجمهور ما لها وما عليها، حيث إن أمانة الكلمة تفوق أمانة المال، خاصة إذا كانت تؤثر في آلاف البشر.

وتؤكد أن المشاهد، خاصة في شهر رمضان، أصبح محاصراً مع تزايد عدد هذه القنوات ما بين التشدد وتشويه الدين، إضافة إلى ثقافة السحر والشعوذة التي تقدمها بعض هذه القنوات، وتكمن خطورتها في استخدامها غطاءً دينياً مع «الحبكة» والإخراج الجيد لما يسمى بالدعاة من خلال ارتداء الضيوف رداء يشبه رداء العرافين، وتصل هذه القنوات مكالمات كثيرة للغاية من جميع دول العالم، ومن هنا ظهرت بعض القنوات تعتمد على التنجيم وقراءة الفنجان على الهواء مباشرة لفك السحر أو جلب الرزق أو فتح طريق الزواج أو إعادة الحب للزوجين.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية