شبه الشيخ عكرمة سعيد صبري، رئيس الهيئة الإسلامية العليا وخطيب المسجد الأقصى المبارك، وضع الأراضي الفلسطينية حاليًا بجلد النمر، بقعة هنا، وأخرى هناك، فلا تواصل بين مدينة وأخرى، وهو ما يفند المزاعم الغربية بمسعاها نحو دولة فلسطينية قابلة للحياة.. وشدد على ضرورة دعم الشباب الفلسطيني في رباطه وصموده، محذرًا من أن قيام كثيرين بالهجرة خارج أراضيهم.. قضايا عديدة تطرق إليها الشيخ عكرمة صبري عبر السطور التالية.
* بداية ونحن نعيش أجواء شهر رمضان الكريم.. كيف تنظر إلى المغذى من فريضة الصيام؟ ـ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة وهو حصن من حصون المؤمن»، ويقول أيضًا «لو علمت أمتي ما في رمضان لتمنت أن يكون رمضان السنة كلها».. ومعنى هذا أن للصيام أسرارا كثيرة لا يدركها إلا من صام هذا الشهر وأحسن العبادة فيه ويكفى أن يدرك المسلمين أن الصيام جنة يتقي بها الصائم عن المآثم والسيئات والمهلكات المؤدية إلى النار، والى جانب ذلك فالصيام يربي في النفس حقيقة الإخلاص لله عز وجل، كما يعمل على تنمية الروح وفي الوقت نفسه محاولة إصلاح الجسد ليكون صالحًا ونقيًا وطاهرًا، ولأن أسرار رمضان كثيرة يجب على كل مسلم أن يصوم هذا الشهر إيمانًا واحتسابًا ويجب أن يكون هذا الشهر انطلاقا لتوحد الأمة واعتصامها أمام الأخطار التي تحدق بها في الداخل والخارج.
وسط هذه الأسرار والمنافع لرمضان.. كيف تنظرون إلى أوضاع الأمة اليوم؟
للأسف، لا جديد سوى الجدل المتواصل بين المهمومين بتشخيص أمراض الأمة وعلى رأسها احتلال فلسطين، وبين من يريدون تغييب عقولنا وطمس هويتنا بزعم أنه لن يكون أبدع مما كان؛ لذلك علينا تجاوز حالة التشرذم.
أزمة سلوك
اختفت البهجة والمودة من بين الناس حتى في الأعياد.. ما السبب برأيك؟
لأننا وبكل أسف نعاني من أزمة سلوك وأزمة أخلاق، وهي أكثر خطرا على حياتنا من الأزمات السياسية والمالية، أيضا بسبب حياتنا التي غطتها النظرة المادية، وسيطرت عليها القيم النفعية، وغابت عنها قيم الإسلام السمحة، فحلت القسوة محل الرحمة وحل الجفاء محل المودة، ولا مخرج من ذلك إلا بالعودة إلى أخلاقيات الإسلام القويمة.
ما دوركم كدعاة في نبذ الشتات الفلسطيني؟
ندرك تماماً أن لدينا عناصر دخيلة وعميلة في الشعب الفلسطيني كما الحال في كل شعوب العالم، وبالتالي نحن حذرون وحريصون على ألا تحدث أي صدامات بين أبناء شعبنا، ولذلك نحاول باستمرار توعية الشعب الفلسطيني بخطورة المخططات الخارجية لتفتيت وحدتنا، ونعمل على إيقاظ الحس الوطني باستمرار للحفاظ على تماسك كل القوى الفلسطينية وجعلها في خندق واحد.
ما الذي نحتاجه لإعلاء مشروعنا الحضاري كأمة مسلمة؟
التمسك بديننا أساس أي مشروع ناجح، ثم التبشير والبشر، لا التنفير والعبوس والتخويف.
ثم الاهتمام بلغتنا العربية التي تخلفت بسبب إهمالنا.. كما تخلفت نتيجة العولمة، فحين تخلفنا اقتصادياً تحولنا إلى مستهلكين لسلع الآخرين، وحين تراجعنا ثقافيًا وفكريًا صرنا مستهلكين أيضًا للغة الآخرين وتغربت لغتنا، فنحن للأسف الأمة الوحيدة التي تتعلم بغير لغتها.. كما نحتاج أيضا إلى إعلاء قيم الوسطية التي جاء بها ديننا الحنيف.
وماذا تعني الوسطية في الإسلام؟
الوسطية ليست جديدة على الإسلام؛ لأن القرآن الكريم قال:{وكذلك جعلناكم أمة وسطًا}؛ فالوسطية تعني الأهمية وذات القيمة ولا يشترط في الوسط الناحية المادية؛ أي أن الوسط لا يكون بين طرفين، إنما الوسط تحدده الأهمية، وهذا ما يعنيه العرب في القلادة، فأهم جزء فيها هو الوسط.
هل ترى شباب الأمة على قدر من الوعي الكافي بالإسلام؟
هناك صحوة إسلامية، وهناك توجه ديني، لكن ينقصنا الوعي والتعمق في الدين، بمعنى ألا نكتفي بالعاطفة الدينية بقدر الحاجة إلى دراسة معمقة في العقيدة وفي الأحكام.
وما تقييمك للعقلية العربية؟
العقلية العربية في وضع محير، فلا هي تحمل الفكر الإسلامي الصافي، ولا هي تحمل الفكر الرأسمالي الصافي، فهي عقلية مزدوجة ومتناقضة في آن واحد.. هناك تدين بإقامة الصلوات والعبادات وفي الوقت نفسه هناك تعامل ربوي واحتكار وغيرها من المتناقضات.
وكيف ترى الحوار بين الإسلام والغرب؟
لا بد من وضع ضوابط للحوار حتى لا يستغل الغرب الحوار لصالحه، ومنها تحقيق العدل واحترام الآخرين والمعاملة بمكيال واحد وليس بمكيالين.
الأقليات المسلمة في الغرب.. ما دورها في تصحيح صورة الإسلام؟
الجيل الأول الذي ذهب إلى الغرب من المسلمين كان يبحث عن مورد رزق، ولم يكونوا مؤهلين علميًا ولا ثقافيًا، وبالتالي أساءوا لأنفسهم وللإسلام بقصد أو بغير قصد، أما الآن فالأجيال الصاعدة أخذت حظًا من العلم والثقافة، وأخذوا يبرزون الدين على حقيقته المشرقة، ونحن على اتصال معهم، نشجعهم بفتح مراكز إسلامية وبكل ما يمكنهم من أن يكونوا واجهة حضارية مشرقة لدينهم.
أطلقتم فعاليات الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية.. فما رسالتكم للمحتفلين بهذه المناسبة؟
القدس تستحق أن تكون عاصمة للثقافة العربية للأبد، وليس لعام واحد فقط، وأهالي القدس تفاعلوا مع هذا الحدث رغم التضييفات الصهيونية.. فتراث القدس ليس دبكة شعبية تقام في احتفالات صاخبة، بل نحن بحاجة للتركيز على التاريخ الثقافي والحضاري والعلمي للمدينة التي سكنها كبار علماء الأمة مثل الغزالي وابن قيم الجوزية وابن تيمية والعز بن عبدالسلام، رحمهم الله جميعا.
انتقدتم أخيرًا توجه بعض الفلسطينيين بطلبات للحكومة الإسرائيلية اعتراضًا على الحفريات القائمة في محيط المسجد الأقصى.. ما السبب؟
طبيعي جدًا أن نستنكر توجه بعض الشخصيات العربية داخل الخط الأخضر إلى المحكمة المركزية الإسرائيلية من أجل تقديم اعتراضات ضد التنقيبات والحفريات القائمة في محيط المسجد الأقصى المبارك، إذ إن التوجه إلى القضاء الإسرائيلي يعتبر مساً بالمسجد الأقصى المبارك، نظراً لعدم تبعيته إلى المؤسسات والدوائر الإسرائيلية، التي ليست لها أي علاقة بإدارته، أو الإشراف عليه؛ فوفقًا لذلك نكون قد أعطينا للمحاكم الإسرائيلية شرعية اتخاذ قرارات وإجراءات بشأن القدس، وبالتالي لا يستطيع المواطن المقدسي المحافظة على حقوقه المدنية، بينما المسجد الأقصى المبارك - الذي يعتبر جزءًا أساسياً من عقيدة كل مسلم في جميع أرجاء المعمورة - أسمى من أن يخضع لأي قرار قضائي؛ لأنه غير قابل للتنازل أو المساومة أو المفاوضة.
أمن أجل ذلك طالبتم بشد الرحال إلى الأقصى خلال رمضان المنصرم؟
بالفعل، دعونا كل المواطنين في الأراضي الفلسطينية للمرابطة في المسجد الأقصى المبارك والابتهال إلى الله، عز وجل، لحمايته من الأخطار المحدقة به، وأداء الصلاة، وقيام الليل فيه، خاصة أن الركعة في هذا المكان المقدس تعادل خمسمئة حسنة.
وماذا عن دعوات المسلمين لزيارة القدس تحت الاحتلال؟
الزيارة تحتاج إلى ضوابط، وأرى أن المسلمين الذين يحملون جنسيات أجنبية لا مانع من أن يزوروا القدس، على اعتبار أن الدول التي يحملون جنسياتها تعترف بإسرائيل.. أما المسلمون العرب فيجب أن يمتنعوا عن ذلك حتى تحل قضيتنا، كي لا يفتح باب التطبيع على مصراعيه، إذ تريد إسرائيل أن تفرض سياسة الأمر الواقع وهي التطبيع واختراق العالم العربي والإسلامي؛ لذا زيارة القدس يجب أن تكون مقننة ومضبوطة.
في الاتجاه ذاته، أطلقتم تحذيرًا حول هجرة كثير من الشباب المقدسي.. ما السبب؟
تزايد هجرة الشباب خارج البلاد وتركهم الأهل يفسح المجال أمام الجمعيات الاستيطانية لمصادرة مزيد من الأراضي والمباني والعقارات وتوطين اليهود فيها.
