هو واحد من أبرز علماء الدين في مجال الدعوة الإسلامية، وإذا ذهبت في كل بقاع الأرض باحثًا عن فتوى خرجت من فمه فلن تجد، لأنه يرفض دائمًا بأن تكون له فتاوى، حيث يرى أن كثرتها دليل على كثرة العيوب.. إنه الشيخ محمد الراوي الذي فتح قلبه لنا متحدثًا عن الدعوة الإسلامية والدعاة الجدد وعلاقة الإنسان بخالقه، وكيف يشعر بأنه قريب إلى الله، وكيفية استثماره لتلك الأيام المباركة وغيرها من الأسئلة التي تفرض نفسها على الساحة الدينية؛ فإلى نص الحوار.
في البداية يتحدث الشيخ محمد الراوي عن الفرق بين رمضان في الماضي والحاضر فيقول: الحياة في رمضان قديما كانت بسيطة خاصة في القرية، فلم يكن هناك أي نوع من أنواع التقنية الحديثة التي تشغل الإنسان عن ذكر الله والاستغفار وقراءة القرآن، فكان الناس يعيشون على الفطرة، بالإضافة إلى أن إيقاع الحياة ليس كالآن. حيث تستطيع العمل والتعلم والتعبد ويتبقى لك وقت تسأل ذاتك في أي شيء سوف أنتفع به، ولكنني دائمًا ما أجد نفسي تقودني إلى قراءة القرآن والتأمل في آياته إلى جانب قراءة السيرة النبوية لما فيها من عبر، كما أنني كنت حريصًا منذ نعومة أظافري - ومازلت - على قيام الليل خاصة في رمضان.
ونحن نعيش أجواء شهر رمضان كيف يحسن المسلم علاقته مع الله؟
يقول سبحانه وتعالى {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا}، وفي استحضار ذلك ندرك قدرته سبحانه وتعالى ورحمته، ونعرف في الوقت نفسه الحكمة من وجودنا؛ فلا نضل ولا نضل، ولا ننشغل بهوانا عن ذكر الله؛ فالعلاقة مع الله تستوجب استحضار أثر الخالق في المخلوق، وليتأمل الأخير إلى نفسه كيف أنعم الله عليه من نعمة البصر والسمع واللمس وغيرها من النعم التي لا يشعر بقيمتها إلا كل ناقم.
ولكن العبد الذي يدرك ذلك فلتعلم أنه يتقبل كل بلاء من الله بصدر رحب ورضا على اعتبار أنه اختبار من الخالق لعبده، وهي أولى الخطوات التي تقوي علاقة المسلم مع خالقه ألا وهي الرضا والحمد، ولنقتنص من شهر رمضان الفرصة لكي نعيد ترتيب علاقتنا مع الله، ولنتطهر من كل خطايانا بالصوم وقراءة القرآن وقيام الليل كل هذه أمور تحسن علاقتنا مع الله فإن الله غفور رحيم.
عندما ينسى الإنسان نفسه في علاقته مع الله هل يمكن اعتبار ذلك عقاباً من الخالق؟
بالطبع، ولكني أعرف عقابًا أشد بأن ينسيه الله نفسه؛ وإذا نسي الإنسان نفسه وقع في الخبائث، وهو يظن أنه يعمل الطيبات، وصدق الله تعالى حيث قال: {هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا* الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}، ومن هنا ندرك حكمة الأمر بالمداومة على ذكر الله تعالى في نومنا وصحوتنا وحياتنا وموتنا ومصائبنا سواء في شهر رمضان أم في الأيام الأخر، يقول تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}.
إذن متى يشعر الإنسان بأنه قريب جدًا من الله تعالى؟
الإنسان يشعر بأنه قريب من الله حين يؤدي فرائضه ويقرأ القرآن وحينذاك يستشعر الإنسان بأنه قريب جدًا من الله، لأن تدبر القرآن الكريم من إحدى الوسائل التي يجب اتباعها للتقرب إلى الله فكل آية من آياته يؤدي فهمها وتدبرها إلى تعميق العلاقة مع الله، بالإضافة إلى أن هناك علامات للقرب من الله، ومنها أن يشعر الإنسان بصفاء وعلو في روحه، لا يشعر به سواه.
أيام الفتن
في حياة كل إنسان جملة من السلبيات يحاول أن يتجنبها حتى لا تؤثر في علاقته مع الله، كيف؟
من أخطر السلبيات التي لا بد من تجنبها حتى لا تؤثر في علاقتنا مع الله كثرة المخالطة للناس في أيام الفتن؛ لأنها دائمًا ما تنتشر عبر التنقل من شخص لأخر، وعن نفسي فأنا قلما أقضي وقتًا بعيدًا عن البيت، كما أنني لا أستجيب للناس كثيرًا في دعواتهم، وأتجنب مواجهة المواقف باندفاع، خاصة أنني تعلمت كيف أواجه المواقف بحكمة حتى لا أقع في الخطأ.
ما الشخصية التي أثرت في حياتك؟
الشيخ هاشم من محافظة سوهاج، والذي كان يدرس لنا التفسير، فإذا قرأ القرآن فقط نستطيع أن نفهم معظمه دون تفسير، وكنت دائمًا ما أقول له عقب قراءته للقرآن لا تفسر آية يكفي أن نستمع إليك؛ فكان إذا قرأ القرآن نشعر بالخشوع إلى الله؛ ولذلك كان هو مثلي الأعلى في قراءة وتجويد القرآن، وقد كنت أناقشه كثيرًا حتى أتعلم منه، وهو الذي نصحني بألا أترك القرآن؛ ولذلك دخلت كلية أصول الدين، وتمسكت بتعلم علوم القرآن.
ما الدور الذي يجب أن تقوم به وسائل الإعلام في الشهر الكريم؟
في البداية أحب أن أشير إلى أن الفضائيات هي إحدى الوسائل الإعلامية التي نستطيع من خلالها أن نعلن عن ديننا الحنيف، وهي نعمة من الله، ولكن عندما تعبث يد الإنسان فيها يستطيع في تلك الأثناء أن يحولها إلى نقمة، والبعض للأسف أخضع هذه الوسائل لهواه من أجل التربح والبيزنس دون ابتغاء وجه الله.
أشرت فيما سبق أنك ترفض بأن تكون لك فتاوى، فهل كثرة الفتاوى تضر بالدين؟
كثرة الفتاوى في زماننا هذا أفسدت أكثر مما أصلحت؛ خاصة أن هناك أشخاصًا نسبوا إلى أنفسهم لقب دعاة، وهم في حقيقة الأمر «دهاه» فلا يفهمون في الدين، وفاقد الشيء لا يعطيه، هذا إلى جانب أننا فقدنا الأمانة العلمية التي تفرض على صاحبها أن يكون أهلاً للعلم، ومعظم الدعاة الجدد يصدرن فتاوى لإرضاء فئة بعينها بغض النظر عن الدين الحق فأصبحت الفتوى تجارة.
هل يعني من كلامك أن الدعاة الجدد يتاجرون بالدين؟
بعض الدعاة الجدد وليس جميعهم اتخذوا من الدعوة إلى الله تجارة وطريقًا لجمع المال وتحقيق الشهرة، والعاقل هو من يخلص لله، ويعرف أن ما يخرج من القلب داخل إلى القلب، وما يخرج من اللسان لا يتجاوز إلا اللسان.
يلقي البعض باللوم على المؤسسة الدينية بأنها السبب في فوضى الفتاوى؟
ليست المؤسسة الدينية وحدها، بل يجب أن نلوم كل القائمين على أمور الدعوة الإسلامية؛ فلو كان الجميع يؤدون دورهم بشكل صحيح لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن من أمية دينية، وفوضى في الفتاوى، وخلط الأمور.
كيف ترى الوضع الحالي للدعوة الإسلامية؟
الدعوة الإسلامية انتشرت بشكل أوسع ما كانت عليه سابقًا، ولكن المشكلة أن الكثيرين من المدعين نسبوا إلى أنفسهم لقب داعية، وهذه وصمة عار على الإسلام فقد امتلأت الساحة بالمفتين على شاشات القنوات الفضائية وهؤلاء يفسدون أكثر مما يصلحون، ورجل الدين المخلص يعيش في درجات متدنية جدًا.
مَن مِن الدعاة تستمع إليه بكثرة؟
الوحيد الذي أسمعه مهما كانت الظروف هو الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله.
من إحدى مؤلفاتك سلسلة حديث القرآن عن القرآن فماذا تعني؟
سلسلة «حديث القرآن عن القرآن» تعني أن حديث القرآن عن القرآن فيه بيان لهدايته ومقاصده، ودعوة إلى حسن تقديره، وهو حق يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.

