أكد الشيخ شوقي عبداللطيف المبتهل الديني وكيل وزارة الأوقاف بمصر أن الإسلام عرف فن الإنشاد الديني والابتهال مع هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة وذلك بالإنشاد الجماعي «طلع البدر علينا».. وقال إن هذا الفن ارتبط بالغزوات بعد ذلك على غرار غزوة الخندق حينما ردد المسلمون «الله لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزل سكينة علينا».
أشار عبداللطيف إلى أن الابتهالات الدينية من المستحدثات المفيدة غير الضارة التي لم يرد بها نص يحرمها.. موضحاً أنها عبادة من عبادات الله سبحانه وتعالى. ويقول إن الابتهال الديني تضرع إلى الله سبحانه ودعاء مشفوع بشدة في قبوله والرهبة في عدم قبوله، وهذا الابتهال يجب أن تلتزم فيه آداب الدعاء التي جاء بعضها في قوله تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}، والمقصود بالخفية الإسرار به ليكون أقرب إلى الإخلاص وعدم الرياء، والابتهال بما فيه من تضرع ورهبة وخشوع يغلب عليه أن يكون بصوت فيه تحزن قد يصل إلى البكاء على نحو ما يكون في القرآن الكريم من التجويد الذي يؤثر في القلوب.
ذكرت أنه من آداب الابتهال الإسرار به.. فمتى يكون الجهر؟
الابتهال يكون جهرا إذا كان جماعيا يشترك فيه غير المبتهل بالتأمين على الدعاء كما في صلاة الاستسقاء، حيث تكون الخطبة مشتملة على استغاثة وتضرع أن ينزل الله عليهم المطر، كما فعل النبي، صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن الصوت الحسن الخاشع لله يؤثر أكثر مما يؤثر الصوت العادي في مثل هذه المواقف.
الصوت الحسن يؤثر أكثر من الصوت العادي فهل يمكن الحكم على الابتهالات الدينية بأنها دعاء بصوت حسن؟
بالطبع نعم... فالابتهالات يتم تأديتها شرعا لأنها دعاء إلى الله سبحانه تعالى.
هل يمكن اعتبار الابتهال الديني عبادة مثل سائر العبادات الأخرى؟
الابتهال الديني دعاء، والدعاء عبادة أمر الله بها في قوله {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} وفي الحديث ان النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «الدعاء هو العبادة» وكتب الأحاديث النبوية فيها كثير من الأدعية.
يتضح لنا من كلامك أن الشرع الإسلامي يبيح الابتهال.. فما هي الصورة التي يجب أن يكون عليها؟
من آداب وشروط الابتهال البعد عن تناول المحرمات، لأن تناولها يمنع قبول الدعاء «الابتهال» وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي، صلى الله عليه وسلم، ذكر الرجل يطيل الشعر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟! فمن أراد أن يكون مستجاب الدعوة فليكن مطعمه من الطيبات وما أحل الله، إلى جانب البعد عن المحرمات الأخرى.
ما أنواع الابتهالات الدينية وما حكم الشرع تجاه كل نوع منها؟
الابتهالات أنواع منها الفردي، والابتهال مع البطانة، والابتهال مع الآلات الموسيقية وهناك أيضا الابتهالات في أذكار الصوفية. والشرع أباح الابتهالات الفردية والابتهالات مع البطانة وباقية على الأصل في أنها حلال ولا يوجد نص يمنعها لذاتها، وإن عرض لها عارض من رياء أو سمعة أو تشويش على المصلين أو إيذاء لمريض أو إخلال بحرمة المسجد أو نحو ذلك كانت ممنوعة لهذه العوارض. أما الآلات الموسيقية فهي في أصلها حلال، ولا يحرمها إلا عارض لها مثل الاستعانة بها على محرم كحفلات الخمر والرقص، وإن كانت ملهية عن واجب، أو مسببة لضرر كإزعاج الآمنين والتشويش على المتعبدين.
ولكن يحكم البعض على الابتهال الديني بأنه بدعة مستحدثة؟
الابتهال الديني ليس بدعة ولكنه من المستحدثات المفيدة غير الضارة التي لم يرد بها نص قاطع يحرمها، وجاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة الذي نشرته الأوقاف المصرية أن التسابيح والاستغاثات قبل الأذان بالليل ونحو ذلك بدع مستحسنة لأنه لم يرد في السنة ما يمنعها، والابتهال مع كل حال دعاء في وقت السحر فيقول تعالى «وبالأسحار هم يستغفرون».
ولكنهم يستدلون على حكمهم بأن الابتهالات الدينية لم تكن موجودة في أيام النبي، صلى الله عليه وسلم .. فما هو رأيك؟
انقسم العلماء حولها إلى فريقين أحدهما قال بمنعها لأنها بدعة في الدين، والحديث يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، والآخر قال بعدم منعها لأن كل أمر مستحدث لا يحكم عليه بالرد، وبالتالي فالابتهالات قبل الفجر لا يوجد ما يمنعها شرعا عند جمهور العلماء، فهي وإن كانت تقليدا موروثا لم يكن في عهد السلف الصالح فهي من البدع المستحسنة، كما أن الإسلام عرف فن الإنشاد الديني والابتهال مع هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة وذلك بالإنشاد الجماعي «طلع البدر علينا»، وارتبط حتى بالغزوات ففي غزوة الخندق أنشد عبدالله بن رواحة وردد وراءه المسلمون «الله لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزل سكينة علينا» واستمر ترديد الإنشاد الديني في مختلف المناسبات الإسلامية، وتنامى مع ظهور التصوف، وعظم في العصر الفاطمي.
من أين يأتي المنشد بالكلام الذي ينشده؟
من الشعر الديني والإسلامي سواء كان وصفا أو مدحا أو حكمة أو نصيحة، ومن أشعار حسان بن ثابت وابن رواحة.
كثيرا ما يربط البعض بين الابتهال وقراءة القرآن؟
تلاوة القرآن الكريم هي الأصل في الإنشاد الديني، وكل مبتهل هو بالأساس قارئ جيد للقرآن، ولكن ليس كل قارئ يمكن أن يكون مبتهلاً جيدا.
هل يوجد نوع من الاختلاف بين الابتهال والإنشاد؟
الابتهال هو الارتجال، فالمنشد يدخل الشعر بشكل منفرد أو يقول مما يحفظ، وعادة ما تكون أشعاراً دينية مثل الشيخ سيد النقشبندي والشيخ نصر الدين طوبار.
ولكن لماذا لم يعد هناك نجوم في عالم الابتهالات مثل النقشبندي وطوبار وغيرهما؟
لاعتبار التوقيت الذي ظهر فيه هؤلاء المبتهلون حيث كان الناس لديهم وقت فراغ وأذهان للابتهالات والتأثر بها بعكس الوقت الحالي الذي انشغل فيه الناس بأعمالهم واختفى السميعة الذين يستمعون للابتهالات ويقدرونها، فضلاً عن تأثير التلفزيون الذي استولى على جانب كبير من اهتمامات الناس.
ومن هم أشهر المبتهلين الآن؟
من أشهرهم الشيخ محمد الهلباوي والشيخ عبدالتواب البساتيني والنقشبندي.
مدرسة لتعليم فن الابتهال
بحكم سفرك وتجوالك في البلدان العربية.. ما هو حال هذا النوع من الفن في مصر مقارنة بهذه الدول؟
في مصر يشرف الآن الإنشاد الديني على الانقراض، وأنا لا أقصد الغناء الديني مثل الذي تقدمه ياسمين الخيام أو شادية أو الكحلاوي، إنما أقصد هذا الفن المصري والعربي والإسلامي الأصيل الذي هو نتاج مدرسة المشايخ ولا توجد مدرسة أو معهد لتعليم وتحفيظ هذا الفن لحفظه من الانقراض.
يعني ذلك أن حال الإنشاد في مصر يختلف عنه في الدول الإسلامية؟
بعض الشيء، وإن كان المعين والأصل واحداً.
بمجرد أن ينتهي شهر رمضان يبتعد المسلمون عن الأخلاقيات التي التزموا بها كيف تفسر ذلك؟
الابتعاد عن الأخلاقيات التي التزم بها المسلمون في شهر رمضان خطأ كبير يقع فيه الكثيرون منا، وهو ما لا يصح، فهذا فهم خاطئ وتصور لا يصح لمسلم عاقل أن يرتكبه؛ لأن شهر رمضان مدرسة نتعلم فيها كيف نتحلى بالأخلاق الإسلامية، التي التزمنا بها، فيما بعد رمضان.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

