خلق الله الإنسان من روح وجسد وقد مر بنا كيف يكون مصير الأجساد إلى أن يأذن الله بالبعث والنشور فماذا عن الأرواح؟

يقول الله تعالى (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون، لعلى أعمل صالحاً فيما تركت، كلا إنها كلمة هو قائلها، ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون).

والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين وهو ما بين الموت والبعث فمن مات فقد دخل البرزخ.

يقول مجاهد: البرزخ هو الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا وعن الضحاك هو ما بين الدنيا والآخرة.

فالبرزخ هو أول دار الجزاء، فيه تنعم الأرواح الصالحة وفيه تعذب الأرواح الشريرة إلى يوم البعث والقيام.

وقال تعالى: «ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم».

فصحيح أن الله تعالى خلق الأرواح جملة، وكذلك أخبر صلى الله عليه وسلم أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، وأخذ الله عهدها وشهادتها له بالربوبية وهى مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يدخلها في الأجساد، والأجساد يومئذ تراب وماء ثم أقرها حيث شاء، وهو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت، ثم لا يزال يبعث منها الجملة بعد الجملة فينفخها في الأجساد المتولدة».

ويقول الإمام ابن القيم: «جعل الله سبحانه الدور ثلاثاً: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاماً تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس.

وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعاً لها، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه.

وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعاً لها، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها، وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب، تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم.

فالأبدان هنا ظاهرة والأرواح خفية والأبدان كالقبور لها، والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها، تجرى أحكام البرزخ على الأرواح فتسرى إلى أبدانها نعيماً أو عذاباً كما تجرى أحكام الدنيا على الأبدان فتسرى إلى أرواحها نعيماً أو عذاباً».

وقد ظن بعض الأوائل أنه إذا حرق جسده بالنار وصار رماداً وذرى بعضه في البحر وبعضه في البر في يوم شديد الريح أنه ينجو من ذلك فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: فإذا هو قائم بين يدي الله، فسأله: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: خشيتك يا رب وأنت أعلم، فرحمه الله.

رجاء علي