هل تحول رمضان من شهر يتنافس فيه المسلمون لنيل مغفرة الله ورضوانه إلى شهر يتنافسون فيه عبر المسابقات التليفزيونية؟!. تساؤل طرح نفسه مؤخرًا في ظل الطوفان الجامح للمسابقات التليفزيونية التي تغزو القنوات الفضائية، والتي تحمل للناس أوهام الثراء السريع والسهل بمجرد إجراء مكالمة هاتفية.. فما رأي الشرع في هذه المسابقات ولاسيما ونحن في شهر رمضان؟.

د.أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن، يشير إلى أن شهر رمضان فرصة عظيمة لكل مسلم ليتقرب إلى الله من خلال إحياء ليله بالقيام عبر الصلاة وتلاوة القرآن، ونهاره بالصدقة والبر والإحسان.

لكن للأسف الشديد، والكلام لكريمة، قام عدد كبير من المسلمين بتحويل شهر رمضان من شهر للتقوى والعبادة إلى شهر للتباري فيما بينهم على المسابقات التليفزيونية التي تعد نوعًا من أنواع الميسر؛ حيث إن المتصل بهذه المسابقات يدفع مقابل كل دقيقة أضعافًا مضاعفة عن قيمة الاتصال المعتادة حيث تشترط هذه المسابقات تسعيرة معينة لكل دقيقة مغايرة تمامًا عن سعر الدقيقة التي تشترطها شركات الاتصال، وحتى لو دفع المشترك القيمة المعتادة يدخل في إطار الميسر، لأنه لم يدفع هذا المبلغ إلا من أجل المكسب.

ويدعو المسلمين إلى الابتعاد عن هذه المسابقات، استنادًا إلى قوله سبحانه وتعالى: }ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعًا إن الله على كل شيء قدير{، كما نهى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن هذا النوع من المسابقات في قوله: «لا سَبْقَ إلا في خُف أو نصل أو حافر»، والسبق هو الجائزة التي تعطى للفائز، فبدلا من الاتجاه إلى هذه المسابقات التي تحمل شبهة المال الحرام لا بد من وجود مسابقات أخرى يشهدها شهر رمضان حيث التسابق على طاعة الله ورضاه من خلال قيام الليل والمداومة على الصلاة والإكثار من الذكر والدعاء.

تأثيرات سلبية

« بينما كان السلف رضوان الله عليهم يستقبلون شهر رمضان قبل أن يأتي بالعبادة وقراءة القرآن وقيام الليل والإكثار من النوافل، أصبح معظم المسلمين في العصر الحاضر يستقبلونه بالمسابقات التليفزيونية التي تعتمد على المقامرة، وأكل أموال الناس بالباطل؛ فالشخص المتصل يدفع مبالغ مالية من خلال اتصال، وقد يربح أو لا يربح، وبذلك فالأمر يدخل في إطار الميسر الذي نهى الله عنه، كما أنه يدخل تحت ما سمي ب«الغرر» وهو محرم أيضًا»..

هذا ما يؤكد د.محمود عبدالخالق، أستاذ علم الحديث، موضحا أنه من الأمور التي سيسأل عنها كل عبد يوم القيامة ماله من أين أتى به، وفيما أنفقه، حيث جاء في سنن الترمذي عن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع؛ وذكر منها: عن عمره فيم أفناه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟»..

وهنا يشير أستاذ علم الحديث إلى أنه يحرم على الشركات المنظمة لهذه الأعمال المال الناتج عن هذه المسابقات، وذلك لأنه من باب أكل أموال الناس بالباطل، وهذا مما حرِّم على المسلمين بنص القرآن الكريم حيث يقول تعالى:} يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بِكم رحيما{.

يضيف أن المسابقات التليفزيونية لها تأثيرات اجتماعية سلبية حيث تُنمي حب المكسب السريع لدى الناس دون عمل أو جد، وبالتالي فإن فوز شخص وأشخاص بهذه الجوائز كفيل بإحباط آلاف الناجحين والباحثين عن دور يخدمون من خلاله مجتمعهم، فمادام المكسب قد أتى للبعض من خلال ضربة حظ، فلماذا يجدون ويجتهدون؟!

والغريب - كما يضيف عبدالخالق ؟ أن أسئلة هذه المسابقات عادة ما تكون تافهة ومعروفة للجميع؛ إلا أن القائمين على هذه البرامج يتعمدون تقديم مثل هذه النوعية من الأسئلة لضمان اتصال أكبر عدد من الجماهير الذين يرغبون في الفوز بالجائزة التي قد تكون قيمة. والمثير أيضًا - وفق ما يشير إليه عبدالخالق ؟ أن هذه المسابقات قد ترتدي ثوبًا دينيًا في عدد من البرامج خاصة في المناسبات الدينية مثل شهر رمضان أو الأعياد حيث تكثر الأسئلة الدينية لنفس الهدف، وبالطبع فإن هذه المسابقات سواء ارتدت ثوبًا دينيًا أم غير ديني فهي مسابقات تقع تحت بند الميسر.

إهدار الأموال

د.أحمد الشحات، أستاذ الحديث أشار بدوره إلى قوله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}.. موضحًا أن شهر رمضان بمثابة غنيمة ساقها الله إلينا للتقرب له، وابتغاء وجهه الكريم، والتوبة النصوح، وليس بالإكثار من الاشتراك في المسابقات التليفزيونية التي تعد إحدى وسائل تضييع الوقت وإهدار الأموال بالإضافة إلى شبهة المال الحرام.

إن أموال هذه المسابقات، والكلام لأستاذ الحديث، حرام لسببين الأول أن هذه المسابقات تعد من الميسر الذي نهانا الله عنه لقوله: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه}، والسبب الثاني هو أن الرابح من هذه المسابقات ويقصد هنا بشركات الاتصال التي تكسب أموالا طائلة، يدخل في إطار من يأكل أموال الناس بالباطل، وحتى لو كان ذلك برضا الناس فإن هذا الرضا لا يحلل حرامًا.

يشير إلى أن من فاز في هذه المسابقات وحصل على أموال منها وأراد التوبة فعليه توجيه كل الأموال التي حصل عليها لوجه الله، حيث الفقراء والمساكين، ولاسيما أن خطورة هذه الأموال الحرام تكمن في أن الله لا يستجيب لأكل الحرام. ويدعو الشحات القائمين على هذه البرامج والمسابقات، وكذلك من دأبوا على المشاركة فيها بالتوبة إلى الله لكون هذا العمل باطلاً، لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}.

أماني كاذبة

يتفق د.أحمد علي طه، أستاذ الفقه المقارن مع الآراء السابقة.. مؤكدًا أن الإسلام يمنع انتظار الأماني الكاذبة التي تصدرها المسابقات التليفزيونية حيث من الممكن أن يصبح الفرد ثريًا لمجرد أن يقوم باتصال تليفوني دون بذل جهد أو نقطة عرق واحدة.

يؤكد طه أن ما تقوم به هذه المسابقات باطل، ولا يعود بالفائدة على المجتمع الإسلامي، خاصة أنها تقدم أسئلة تهدف من ورائها تحقيق الربح عن طريق خداع الناس.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية