الشيخ جمال قطب عالم وداعية من طراز فريد تولى العديد من المناصب في مؤسسة الأزهر الشريف خلال السنوات السابقة، من بينها رئاسة لجنة الفتوى، وقبلها رئاسة اللجنة الدينية بالبرلمان المصري.. التقينا «قطب» في هذا الحوار الرمضاني، فتحدث عن معنى الصيام والغاية منه وعلامات الخير في هذا الشهر الكريم، كما كشف الداعية المصري عن قضايا مثيرة وشائكة عبر السطور التالية.

الصيام، كما يقول قطب، شُرِع لتقوية إرادة الغني والفقير، فمعنى الصوم «الترك» بمعنى أن يستغني الإنسان عن أي شيء بالإرادة، وهذه قوة روحية مع الله، وقوة ذاتية للإنسان في الدنيا، حيث يستطيع بصيامه ألا يطمع إلى ما في يد غيره، لذلك فالصيام شُرِع لتقوية الإرادة على المستوى الروحي والاجتماعي والسياسي.

وماذا عن الجوانب الأخلاقية في تشريع الصوم؟

الصيام له جوانب أخلاقية كثيرة أهمها الإيثار؛ فحينما ترجئ طعامك أو تحول الوجبات الثلاث إلى وجبتين فقد ادخرت قدراً، وطالما ادخرت تستطيع أن تتصدق، ومثال ذلك الموظف العادي الذي يكاد يكفيه مرتبه لقضاء حاجاته اليومية الأساسية فلا يستطيع التصدق، فيأتي الصيام ليعلمه أنه يستطيع أن يكتفي بوجبتين ويدخر وجبة ثالثة، وبحسبة بسيطة يجد ذاته في نهاية الشهر قد ادخر ثلاثين وجبة يستطيع من خلالها أن يخرج منها زكاة الفطر، بالإضافة إلى التصدق على الآخرين دون أن يحمله ذلك فوق طاقته لما يعد سمة من سمات الإيثار حيث يستقطع من ذاته حتى يعطي الآخرين.

وهناك جانب ثانٍ للصيام، حيث يتعلم الإنسان دوام اليقظة وقيمة الوقت، فمنذ أن تشرق الشمس في أيام غير الشهر الكريم يبقى المسلم عاملاً جاداً حتى الغروب، ويكتفي بالقليل من الطعام إلى أن يذهب إلى الفراش لينام مستقبلاً اليوم التالي، ولكن في رمضان اليوم يختلف حيث يحرص الصائم على أن يقبل على حلقات العلم، ويصل رحمه، وأداء الفرائض بشكل منضبط لما في اليوم من نظام إلهي يعتمد على فترتين قبل الإفطار وبعد.

ما علامات الرحمة والخير في شهر رمضان التي يمكن أن يحسها المسلم؟

في شهر رمضان صح قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أوله رحمة.. أي حينما يفتح الله باب الصيام يفتح باب القيام بالليل، وباب قبول المستغفر، وحينما قال شهر أوسطه مغفرة أي يغفر للخلق الذين يصومون النهار، ويقومون الليل، وآخره عتق من النار؛ ففي هذا الشهر يقرأ القرآن وتنفق الزكاة ويتقارب الناس في المساجد التي تعمر بذكر الله، ويتواصل الأغنياء والفقراء.. هذه كلها مظاهر رحمة نجدها في مجتمعات المسلمين في شهر رمضان.

كيف نحقق للشهر الفضيل حرمته ليصبح عبادة لا لهواً وترفاً؟

هذا أمر يتطلب تعاون ثلاث جهات مع الجهة المسؤولة في الأصل، وهي الأسرة، وتلك الجهات هي الإعلام والمدارس والمساجد، فكل هؤلاء عليهم أن يتكاتفوا، ويرسموا خريطة لبرامج النهار والليل في شهر رمضان، وبالتالي إذا امتلأ العام بالمسلسلات الكوميدية أو التراجيدية على أن يخلو رمضان من هذه المناظر السيئة وتأتي مسلسلات جادة تذكر الإنسان المسلم بمجتمعه وتقوي وطنيته وتحيي دينه فهذا هو الأفضل، لعل المسلم يصوم عن تلك الموبقات خلال هذا الشهر الذي ينير بصيرة من افتقدها، وأنا على ثقة تامة بأنه سوف يخرج من هذا الشهر كارهاً أي شيء يغضب الله سبحانه وتعالى، تاركاً كل ما يشغله عن ذكر الله، ومن أبرزها البرامج والمسلسلات.. ولذلك فإذا اتجهت تلك الجهات الثلاث إلى ذلك ستنظم المجتمع وتستطيع الأسرة تربية أولادها على خطى ثابتة.

يشهد رمضان نشاطاً مكثفاً بالنسبة للدعوة الإسلامية.. فما الأسلوب الأمثل للدعوة خلال هذا الشهر؟

الدعوة الإسلامية ليست دعوة موسمية؛ فلا بد أن تكون طوال العام، وبصراحة شديدة إن الدعوة الإسلامية في العالم الإسلامي أصابها خلل في القرن الأخير، فهي ليست لها استراتيجية ولا تملك خططاً للحركة، أكثر من الخطة الإدارية، ما يشبه الحضور والانصراف وأداء الواجب والروتين، فالدعوة في حاجة إلى تنشيط صياغة الموضوعات التي تهم هذا العصر، وتقديم الأوليات، ومخاطبة كل شريحة من شرائح المجتمع بلهجتها؛ فالحديث مع المسلم دعوة إسلامية، والحديث مع غير المسلم دعوة إسلامية أيضاً، واللافت أنه كلما أتى رمضان حاولت جهات الدعوة أن تعوض ما فاتها فتكثف العمل على أنه موسم، ورغم أن هذا شيء مقبول فإنه يسبب ضررين أولهما ضرر للدعوة نفسها بمعنى أن يفهم المسلم أن الثقافة الدينية موسمية، فلا يقرب الطاعات والعبادات إلا في رمضان، وثاني الأضرار يقع على مستوى الدولة، حيث ترى ضمائر الناس تموت بعد رمضان فلا يواظبون على العمل، ولا يواصلون الإنتاج، ولا اتقان العمل، وذلك لأن الدين في نظرهم قد أخذ إجازة.

يفطر البعض استناداً لنصيحة الأطباء.. فهل هناك شروطٌ للأخذ بنصيحة الطبيب؟

ليس إلا أن يكون الطبيب متخصصاً، والذي أخذ الإذن من الطبيب يكون في حاجة فعلاً لأن يفطر؛ فالإنسان يفتي نفسه في هذه المسائل.. فالمسلم كما علمنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صاحب جزء كبير جداً من الفتوى بأن يكون أعلم بحاله لا يكذب على نفسه ولا على ربه؛ وعلى أي حال فإن قال له الطبيب إن حالتك تستلزم الإفطار فعليه أن يلتزم بنصيحة الطبيب.

لكن هناك من يتجاهل نصيحة الطبيب بالإفطار ويصر على الصوم رغم ما يعانيه من مشقة ومتاعب؟

إذا وجدت مريضاً نصحه الأطباء بالإفطار وأصر على الصيام أقول له تركت الأفضل وتركت الأولى وخالفت الشرع، وتمردت على المنحة التي أعطاها الله لك، وهي الرخصة؛ فالله سبحانه وتعالى لا يحب أن يرهق عباده؛ فلا ينبغي لأحد أن يتطوع بما لا يقدر عليه، أو أن يتطوع بما يضر صحته.

هل أداء فريضة الصوم دون الصلاة مكروه؟ وهل يعد صيام المسلم في هذه الحالة صياماً ناقصاً؟

لا شك أن كلاً منهما فريضة، والمسلم مخاطب بالأمر بالصلاة، وبالصيام، وبالزكاة، لكن الصيام فريضة تلي فريضة الصلاة؛ فنحن نفهم في الشرع أن الفريضة الدائمة التي لا تسقط حتى في حالة المرض هي الصلاة؛ فهذه تشبه الملف الذي توضع فيه جميع أعمال العبد، وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن عمود الدين الصلاة وهي أول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم فإن صحّت نظر في عمله وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله» أي أن الملف صالح للنظر أم غير صالح بالصلاة.

نجد بعض المسلمين يسعون للعمرة خلال شهر رمضان.. فهل عمرة رمضان مثل نظيراتها على مدار العام أم أن هناك ما يميزها عن غيرها؟

العمرة في رمضان ترقى إلى مستوى الحج بجوار رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كما قال: «العمرة في رمضان كحجة معي»، ولكن ليس معنى ذلك حينما يأتي رمضان يذهب المسلم مهرولاً للعمرة كل عام، تسألني لماذا؟ لأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حج حجة واحدة، واعتمر عمرة واحدة، فإذا فعلها المسلم مرة فمن باب أولى أن ينفق أموالها بعد ذلك في صلة الأرحام، وفي إكرام الأيتام، في تنظيم المجتمع، وكل هذه الأموال ترضي الله سبحانه وتعالى.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية