إذا كان شهر رمضان فرصة روحانية عظيمة للتقرب إلى الله والتوبة إليه عز وجل فإنه أيضا فرصة عظيمة للنهوض بالأمة الإسلامية من كبوتها الراهنة، وذلك من خلال استغلال هذا الشهر الكريم في تفعيل بعض الجوانب الحياتية الإيجابية، والتي لا غنى عنها في تحقيق التقدم.. حول كيفية استغلال شهر رمضان ليكون بداية انطلاق للأمة الإسلامية جاءت هذه السطور..

في رأي د.عبدالفتاح إدريس، أستاذ الشريعة الإسلامية، أنه إذا كان رمضان يعد فرصة كبيرة لإخلاص النية لله تعالى في مجال العبادات فإنه يمكن سحب هذه الصفة أيضا على الأعمال الدنيوية، فبالنية الصادقة في أداء أي عمل تؤدي إلى نتائج إيجابية، ولاسيما أن الإسلام قدس العمل ودعا إلى الإخلاص فيه. ويشير إلى أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لاحظ أثناء مصافحته لأحد صحابته خشونة شديدة في يده؛ فسأله عن سببها، فقال له الرجل: إنها من أثر العمل، فما كان من الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلا أن قال هذه يد يحبها الله ورسوله. ويوضح إدريس ضرورة اقتران الإخلاص في العمل بالإيمان وتقوى الله، لأن عدم الإيمان وانتشار الظلم وعدم مخافة الله تذهب البركة عن العمل لقوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون).

اضلاع ثلاثة

المفكر الإسلامي د.عبدالفتاح عساكر يشير بدوره أن هناك منظومة ذات ثلاثة أضلاع إذا تم الأخذ بها وتطبيقها فإن التقدم سيكون مصير هذه الأمة.. لافتا أن هذه المنظومة هي «العلم والعمل والإيمان».. مشيرا إلى أن شهر رمضان يعد فرصة مواتية لتفعيل هذه الأضلاع الثلاثة من خلال إبراز تعاليم الدين الإسلامي التي تنادي بطلب العلم والإخلاص في العمل، فضلا عن الإيمان بالله والتقرب منه.

يوضح عساكر أهمية العلم في تقدم الأمم.. مشيرا إلى أن الملائكة عندما تأكدت من أن الخليفة في الأرض من غيرهم قالوا لله: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}، فكشف الله لملائكته أن الأساس الأول الذي يجب أن تقوم عليه خلافته في الأرض هو العلم.

حيث قال لهم: {إني أعلم ما لا تعلمون}، موجها بذلك الملائكة إلى أن السيادة على كوكب الأرض لن تكون إلا بالعلم الذي يجب أن يكون مقرونا بالإيمان وفقا لقوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب}، ثم العمل بأوامر الله كما قال تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون}.

«وحدة الأمة هي السبيل للنهوض بها من كبوتها».. هكذا يؤكد د.أحمد السايح، أستاذ العقيدة والفلسفة ومقارنة الأديان، مشيرا إلى أن شهر رمضان يعد فرصة لتحقيق هذه الوحدة من خلال تعميق الأخوة الإيمانية باعتبارها الجامع لما تفرق، وهي الكفيلة للجراح أن تندمل، وللضغينة في النفوس أن تنسل.

يرى السايح أن هذه الأخوة الإيمانية هي أخوة قائمة على تقوى الله ومخافته، وذلك حتى تحق الحق، وتقيم العدل، وتنشر المساواة.. موضحا أن هذا الأمر يتطلب التدخل لحل أي خلاف يقع بين المسلمين بعضهم البعض، وهذا التدخل يجب أن يكون قائما على العدل فإن انحازت فئة ضد العدل، وبغت واعتدت وخرجت عن حد الاعتدال، وجب صدها في حزم وشدة، حتى تعود إلى الحق، وتذعن له وتعود إلى رشدها، وعندئذ يكون الصلح بالعدل لا بالهوى.

يشير السايح إلى ضرورة استغلال هذا الشهر بما فيه من حالة صفاء روحي في إصلاح ذات البين، ونصرة المظلوم، وإحقاق الحق، فلا يمكن لأمة أن تتقدم إلا من خلال توجهات قائمة على العدل.

ويرى د. مصطفى الشكعة، عضو مجمع البحوث الإسلامية سابقا، أن تلاحم الأمة الإسلامية واهتمام المسلمين بقضايا إخوانهم أمر يجب تفعيله خلال شهر رمضان باعتبار أن هذا التلاحم سيؤدي إلى وجود خريطة ومنهجية عمل واحدة لتقدم الأمة، وهذا يتطلب نصرة المسلمين المضطهدين، والذين يتعرضون لظلم في بقاع عديدة في العالم.

يشير الشكعة إلى أن نصرة المسلمين لبعضهم بات أمرا ضروريا، ولاسيما في ظل تزايد الأخطار التي تحدق بهم، وهو أمر أقره الإسلام، وطالب به حيث يقول تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}، ويقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره».

كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته أو ينتقص فيه عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته».. ومن توجيهاته صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»؛ لذا - والكلام للشكعة - يجب أن يكون شهر رمضان بداية حقيقية لنصرة إخواننا المسلمين والدفاع عنهم وعن حقوقهم باعتبار أن الدفاع عنهم هو دفاع عن الإسلام.

ويوضح د. محمد البري، أستاذ الأديان، أن الأخلاق هي عماد تقدم أي أمة وخروجها من كبوتها؛ لذا فإن الدفاع عن أخلاق المجتمع المسلم أمر حتمي للنهوض بالأمة الإسلامية، وتحقيق تقدمها. وشهر رمضان - كما يضيف البري - شهر الأخلاق، وبالتالي يمكن الاستفادة منه بغرس السلوكيات الحسنة التي يمكن أن تفيد الشخص على المستوى الديني والدنيوي على أن يكون ذلك منهجا لحياة المسلم ليس في شهر رمضان فقط، وإنما بقية أشهر السنة.

ويوضح البري أن الإعلام في المجتمعات الإسلامية عليه دور كبير في مواجهة هذه الأشكال الانحرافية التي تهدد الأخلاقيات الإسلامية، خاصة أن هناك بعض الوسائل التي ساعدت في انتشار بعض المصطلحات حيث سمي الفساد فنا بالرغم من أنه لا يتصل بما يدعى بالفن وبالذوق الرفيع إلا النادر جدا مما تعرضه هذه الوسائل.

ويرى د.عبدالغفار هلال، العميد السابق بكلية الدراسات العربية بجامعة الأزهر، أن الإعلام يمثل العصب الرئيسي لتقدم الأمم وتوجيهها التوجيه السليم.. موضحا أن الإعلام في مجتمعاتنا الإسلامية مطالب بإجراء وقفة حقيقية في ظل ما يبث من مواد إعلامية لا تصب إلا في مصلحة تكريس الوضع الراهن.

كما يؤكد هلال ضرورة إصدار عدد من التشريعات المهمة لترشيد هذا السيل الإعلامي لخدمة أهداف الأمة على أن تكون البداية الحقيقية للتنفيذ خلال شهر رمضان الذي يعيشه الجميع بروحانيات متدفقة وأمل كبير في حصد ثوابه العظيم.

ويشير هلال إلى أن ضرورة أن يكون الإعلام إعلاميا وإيمانيا أي مؤمنا بقضية يدافع عنها، ويعتز بها، وينشرها بصدق، وليس في ادعاء زائف، وهذا يستلزم بدوره أن يتبع الإعلام تعاليم الدين الإسلامي، وأن يأخذ بأحكامه، وأن يدافع عن المسلمين، وأن يتبنى قضاياهم من خلال وجوده على ساحة الأحداث، خاصة في مناطق الكوارث والأزمات التي تحل بالمسلمين، فضلا عن الزود عن أخلاق المجتمع التي باتت مهددة في ظل طوفان البث الفضائي.

ويرى الشيخ فرحات المنجي، من علماء الأزهر الشريف، أنه إذا كان شهر رمضان هو شهر يقتدي فيه المسلمون بالرسول، صلى الله عليه وسلم، في سلوكياته وتقربه من الله تعالى فإن السير على هذا الاقتداء بعد رمضان سواء فيما يتعلق بالسلوكيات التعبدية أم الحياتية كفيل بتحقيق النهوض للأمة الإسلامية. ويوضح فرحات أن الاقتداء بالرسول، صلى الله عليه وسلم، من شأنه الارتقاء بالفرد إلى الاستقامة والالتزام في السلوك وبلوغ الحياة الآمنة.