يشبه مفعول الحقنة المسكنة، وفي أسوأ الحالات يخلف إحساساً بالغضب أو الحسرة، الوعي هنا حالة قابلة للاختبار.. والسقوط أحياناً في حضرة سلسلة من المفاهيم المفخخة، انتبه قد تتعاطف مع من لا يمثل قناعاتك دون أن تشعر، المواقف ضبابية، وبين موجات الفرح ونوبات الخيبة، الأرواح الشريرة تستأثر بدائرة الأحداث، وتبقى الأسئلة من دون إجابات، يضع الإمساك بجهاز التحكم عن بعد، وتقليب صفحات القنوات الفضائية في طريق المشاهد سيلاً من الأسئلة، حول جدوى الدراما التلفزيونية المعاصرة، ودورها الذي يراهن عليه أرباب الصناعة في معالجة الواقع العربي، ولكن هيهات.. فما يتم عرضه بالكاد يخترق القشور، حتى تزدهر الصناعة ولا تبور!

رسالة

الفن رسالة، ورسالتي الفنية سامية.. عبارة لا يدرك أغلب من يرفعها شعاراً، جوهر الرسالة أو قيمتها، أو الوسيط الذي تعبر خلاله للمتلقي.. الكلمة.. الصورة.. الوجه واللهجة، والأفكار الملقاة على الطرق لا تلمع عبثاً، بل تمر بمخاض عسير حتى يستشعرها الآخر، ويتفاعل معها عبر عمل إبداعي جدير بالمتابعة، وبذرة الإبداع لا ترويها المياه المالحة، والأحلام لا تزهر في مجتمع مليء بدخلاء المهنة، الحديث عن دراما تلفزيونية متطورة رهن بعوامل عدة، يبدو فقدها متصل بواقع عربي متخم بالإخفاقات.

غياب أو تغييب المبدع وتداخل الاتجاهات في البوصلة، حتماً يشتت المشاهد، الذي احتار بدوره في الحكم على محتوى العمل، وتاه بين شخصياته الجدلية، فلا قدوة ولا نفوس خيرة، هل نخر السوس هيكل العائلة، حتى أصبح الأب السكير دوراً لا تخلو منه الشاشات الرمضانية؟ وهل فقدت الأم اتزانها وانجرفت خلف قصص حب المراهقة المحرمة على بناتها؟ أي جيل يراهن عليه العرب بعد سموم الدراما التلفزيونية المتجرئة على شاشات الأسر العربية، بينما الصندوق الصغير يختزن ما يثير الجدل حول مشاهد يخجل من متابعتها البالغون.. فما بال النشء؟

مقتطفات

معالجة قضايا مجتمعية بدرجة عالية من الحساسية هي حتماً رسالة، أما التهريج بقضية كالتعليم وتسطيح الخلل في التنشئة في مسلسل كرتوني (يبدو) فعلاً غير مسؤول أمام ثقة القنوات الفضائية بكوادرها، فلا يمكن حصر هموم التعليم بجواب استفزازي وإلقاؤها على كاهل العامل الهندي، في مشهد يقف على الحد الفاصل بين التهريج والتسطيح على فضاء شاسع يصل أصقاع الأرض، ويختزل صورة غير صادقة عن الوطن.

يُقال إن العمل التلفزيوني خاضع لمحاذير، أهمها اختراقه البيوت دون رقيب، على ثقة بأن المحتوى يتناسب وجميع الأعمار، ولكن يبدو أن الحريات التي حُرمت منها الشعوب العربية في واقعها تسللت إلى شاشاتها.. عملان دراميان يكرسان نموذج الصديقة «خطافة الرجالة» التي تلعب دور عشيقةٍ لزوج صديقتها، ويقدمها كضحية لمكر الرجل الشرقي ونزواته غير المسؤولة، في تلك الأثناء ينسحب على غفلة الإحساس بالوعي، وتصبح العشيقة ضحيةً بينما المنطق يقول إنها شريكة في انهيار أسرة كاملة.

أي جيل يتربى على يد الأم العشيقة؟ وأي صورة للأب القدوة في عيون أبنائه بعد مغامرات صبيانية؟ العزف على وتر الحكايات العاطفية يكسب المزيد من تعاطف المشاهدين مع تلك النماذج التي تطفو على السطح، بينما النقاش يرزح تحت القشور، وتتولى شلة الأفراد الترويج لثقافة مجتمع برمته.

الرؤية في اختيار ما يصلح للعرض وما يُستثنى مسألة ذات علاقة وطيدة بالوعي بعمق المحتوى، وخلوه مما يؤثر على مفاهيم النشء، على أساس أن الدراما التلفزيونية الناجحة صالحة للعرض في كل مكان وزمان، بينما تعاني الدراما الراهنة من أزمة الآنية، فبالكاد ينتهي تاريخ الصلاحية بانقضاء تاريخ العرض، مادامت تروج لقصّة شعر، أو موجة نفخ و«تاتو» حواجب.

همسة

ما يدور في المجالس من أحاديث عابرة ليس مادةً للدراما، والنكات المستهلكة لمرة واحدة غير صالحة للتداول على فضاء إعلامي مسؤول.

العبرة تكمن دائماً في العمق، وما تعسّر حله في أروقة المحاكم أو مخافر الشرطة لن يُحل في مسلسلات تلفزيونية سطحية، وغياب القدوة أمر خطير يسقط الأجيال في وحل من التساؤلات.

تحية إلى أعمال بقيت في ذاكرة المشاهدين طويلاً، طازجة دائماً ودون تاريخ صلاحية، «إلى أبي وأمي مع التحية» عمل العائلة بامتياز، بينما يتجلى عمق الطرح والرمزية في «على الدنيا السلام»، وحديثاً «حظ يا نصيب» في كوميديا محترفة، ثم يبقى السؤال لماذا غاب عن الشاشة «حاير طاير» الذي نثر الملح على الجرح، وغاص في جذور المجتمع، وتسربل بدفء العائلة ردحاً طويلاً.

أمل الفلاسي

aalfalasi@albayan.ae