يتميز القرآن بسهولة ألفاظه ووضوح معانيه، قال الله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (لولا أن الله يسَّره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل).
والآية السابقة من أعظم الآيات، ودليل من أوضح الأدلة على عظمة هذا القرآن وإعجازه؛ لأن حفظه وإتقانه أيسر وأهون من سائر الكلام، وقراءته ميسرة، حتى إن بعض الأعاجم ليستطيع قراءته وهو لا يعرف من العربية شيئا.
لقد أنزل الله القرآن ليفهم الناس معانيه، ويتدبروا آياته، ثم يعملوا بما فيه، كما قال الله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)، وقال تعالى: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا)، وقال سبحانه: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)، وقال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، وكلما كثر تدبر العبد لآيات الله عظم انتفاعه بها، وزاد خشوعه وإيمانه.
ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أخشع الناس وأخشاهم وأتقاهم؛ لأنه أكثرهم تدبراً لكلام الله تعالى، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ عليّ القرآن) فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: (إني أشتهي أن أسمعه من غيري)، قال: فقرأت النساء، حتى إذا بلغت (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)، رفعت رأسي، أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل. رواه البخاري ومسلم.
فكم اهتدى بهذا القرآن من أناس كانوا من الأشقياء؟ نقلهم القرآن من الشقاء إلى السعادة، ومن الضلال إلى الهدى، ومن جحيم العذاب إلى نعيم الجنة، فقريش بكفرهم بالله تعالى قوم ناوؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وناصبوه العداء، وأعلنوا الحرب عليه، سمعوا هذا القرآن فما لبثوا إلا يسيراً حتى دخلوا في دين الله أفواجاً، ثم من أتى بعدهم كان فيهم من كان كذلك، وأخبارهم في ذلك كثيرة مشهورة.
ولعل من عجائب ما يذكر في هذا الشأن: قصة توبة الإمام القدوة الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، إذ كان شاطراً يقطع الطريق، وكان سببُ توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تالياً يتلو قول الله تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق)، فلما سمعها، قال: بلى يا رب !
قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة ـ أي قافلة ـ فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح؛ فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت، وقلت: (أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام).
