ما هي الآداب التي يجب أن يتبعها المسلم لتحقيق الاستفادة المثلى من شهر رمضان؟ وما هي انعكاسات غلاء الأسعار والأزمة الاقتصادية العالمية على سلوكيات المسلمين خلال الشهر الكريم؟ وماذا عن فوضى الفتاوى التي تزداد وتيرتها في شهر الصوم؟!
هذه التساؤلات وغيرها تدور في ذهن كل مسلم ومسلمة باعتبار أن شهر رمضان هذا العام يأتي في ظل ظروف مختلفة عن الأعوام الماضية، من هذا المنطلق يأتي هذا الحوار مع د. أحمد السايح أستاذ العقيدة والفلسفة ومقارنة الأديان بجامعة الأزهر، حيث أدلى برأيه في هذه التساؤلات وغيرها من التساؤلات الأخرى التي فرضها سياق الحوار...
ـ يأتي شهر رمضان هذا العام متزامنًا مع أزمة اقتصادية عالمية وارتفاع كبير في الأسعار.. بماذا تنصح المسلمين للتعامل مع هذه الأزمة؟
أعتقد أن الغلاء الذي نعاني منه في جميع المستلزمات قد يكون بداية لتخلي المسلمين عن بعض العادات والسلوكيات السلبية خلال شهر رمضان مثل البذخ الشديد والإنفاق الكبير على المأكل والمشرب دون مبرر في الوقت الذي يعاني فيه ملايين المسلمين من الجوع في مناطق مختلفة من العالم، لذا فعلى كل أسرة مسلمة أن تنفق على قدر حاجتها وألا تزيد عليها؛ لقوله سبحانه وتعالى {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} وقوله أيضًا {ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} لذا يجب الابتعاد عن هذه المظاهر ليس بسبب ارتفاع الأسعار فقط وإنما أيضًا لأنها تنقص من أجر الصائم.
الصوم والقرآن يشفعان للمسلم يوم القيامة.. ما الذي يجب أن يفعله المسلم لتحقيق هذه الشفاعة؟
هناك ارتباط وثيق بين الصوم والقرآن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان»، ولكي تتحقق هذه الشفاعة لابد للمسلم من اتباع آداب الصيام وكذلك آداب قراءة القرآن، لاسيما في شهر رمضان الذي اختصه الله سبحانه وتعالى بنزول القرآن فيه..
فمن آداب الصيام ترك الأمور التي من شأنها التقليل من الثواب مثل الخوض في أحاديث لا قيمة لها مثل النميمة والغيبة، ومن آداب الصيام المحافظة على الصلاة وأداؤها في وقتها وقيام الليل، إضافة إلى الحرص على إخراج الزكاة ودعوة الفقراء للإفطار، والإكثار من الصدقات لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفًا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها قالوا لمن هي يا رسول الله؟!. قال: لمن طيّب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام».
هذا عن آداب الصيام.. ماذا عن آداب قراءة القرآن؟
قراءة القرآن لها ثواب عظيم، حيث قال الرسول، صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأهله». وقال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران»؛ لذا يجب اتباع آداب معينة عند قراءة القرآن خاصة في شهر رمضان، أهمها الطهارة سواء طهارة الملبس أو طهارة المكان الذي يقرأ فيه القرآن فضلاً عن التدبر في الآيات القرآنية لقوله تعالى {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}، ومن الآداب أن يخلص الفرد النية لله تعالى قاصدًا ثوابه ورضاه وأن يكون على وضوء ويستحب أن يكون مستقبلاً للقبلة.
ما هي العلاقة بين الصوم والصلاة.. بمعنى ما هو حكم صيام من لا يصلي؟
الصلاة ركن من أركان الإسلام مثل الصوم لقوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا».
كما أنها عماد الدين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد ترك الدين»، وبالتالي فإن ترك الصلاة يعد كبيرة من الكبائر وموبقة من الموبقات، ورغم ذلك فالصلاة عبادة وفريضة تنفصل عن فريضة الصوم، فلكل منهما أركان وشروط مختلفة، وبالتالي فمن صام وهو لا يصلي فصومه صحيح وغير فاسد؛ لأنه لا يشترط لصحة الصوم إقامة الصلاة ولكنه آثم شرعًا؛ لتركه الصلاة ويجب عليه أن يبادر بالتوبة إلى الله تعالى.
رغم أن الله شرع رخصة الفطر للمرضى فإن كثيرًا منهم يصرون على الصيام.. ما تعليقك؟
الله سبحانه وتعالى يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه وقد أباح الله الفطر للمسافر والمريض من باب التيسير وقال {وأن تصوموا خير لكم} إلا أن هناك مرضى يكونون مصابين بأمراض شديدة وقد تتضاعف في حالة الصوم، وهؤلاء لا يجب أن يصوموا فهو أمر مكروه وقد يكون محرمًا في بعض الحالات.
مع قدوم شهر رمضان يقام ما يسمى «الخيام الرمضانية» التي تقوم بها بعض الفنون الشعبية.. ما حكم ذلك؟
رمضان شهر عظيم اختصه الله تعالى بنزول القرآن فيه وكذلك فريضة الصوم، وهذا يعني أن رمضان فرصة روحانية يجب أن يستغلها المسلم في أداء العبادات وقيام الليل وقراءة القرآن، لا أن يهدر وقته الثمين خاصة في هذا الشهر في التردد على هذه الخيام المسماة «الرمضانية» لمشاهدة الراقصات والمطربين والمطربات.. فهذه الخيام بدعة وقد تضيع على الإنسان فرصة التوبة إلى الله.
في شهر رمضان تزداد وتيرة فوضى الفتاوى عبر الفضائيات.. ما رأيك؟
للأسف هذه الفوضى تسبب بلبلة واضطرابًا لدى الناس الذين يتأرجحون بين فتاوى كثيرة يطلقها أناس ليس لهم أدنى علاقة بالفتوى، وأعتقد أن الأمر تحول في السنوات الأخيرة لنوع من الاسترزاق أكثر منه تعريف الناس بأمور دينهم.
من وجهة نظرك، هل تستطيع المرأة أن تقدم بدور الإفتاء؟
ما الذي يمنع ذلك؟ فالمرأة إذا كانت متفوقة علميًا ودارسة لأمور دينها فمن حقها أن تصدر الفتاوى الخاصة بالرجال والنساء، وأن تدعو إلى الله، فلا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، والقرآن خاطب الجنسين معًا، ولم يخاطب الرجل فقط.
تعرضت لهجوم شديد بعد فتواك بعدم وقوع الطلاق اللفظي.. هل مازلت على موقفك؟
بالطبع مازلت مقتنعًا بموقفي في قضية الطلاق لأسباب عديدة، منها أن الزواج تم بعد اختيار وتعارف وخطبة وعقد زواج وصداق وإعلان للنكاح، وبالتالي فمن غير المقبول أن تتخذ كل هذه الخطوات لإجراء الزواج ثم يتوقف الطلاق على مجرد لفظ قد ينطق به الرجل في «ساعة غضب» كما يقولون.
كما أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} وهذا يعني أن هناك ثلاث مراحل يجب أن يمر بها الطلاق وهي العظة والهجر في المضاجع والضرب..
فإذا تمت هذه المراحل تأتي المرحلة الرابعة حيث يخرج الأمر بعد ذلك إلى الأقارب أو الأسرة، لقوله تعالى {فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما} فإذا انتهت هذه المرحلة تأتي المرحلة الخامسة والأخيرة لقوله تعالى {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة} وبالتالي فإذا كان الطلاق لفظيًا صريحًا أو كتابة أو معلقًا فلماذا ذكر القرآن إذن هذه المراحل الخمس؟!.
