أثارت فتوى للدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية، أجاز فيها للمسلم الصائم بأن يتناول في السحور مجموعة من الأدوية التي تمنع الإحساس بالجوع والعطش في نهار رمضان، مستدلاً على ذلك بأن الشريعة الإسلامية تدعو إلى اليسر لا العسر، نوع من الجدل الساخن بين علماء الدين الإسلامي حيث انقسموا فيما بينهم إلى فريقين أحدهما مؤيدًا للفتوى، والآخر رافضًا لها.

يستند الفريق الأول إلى جواز تناول الأدوية التي تمنع إحساس الصائم بالجوع والعطش، مختصين ذلك بكبار السن والمرضى فقط؛ في حين يرفض الفريق الثاني الفتوى جملة وتفصيلاً، مستندين في رفضهم إلى أنها نوع من التحايل على الدين.. مشيرين إلى أنه إذا لم يشعر الإنسان الصائم بالجوع والعطش باستخدام هذه الأدوية سوف يفقد إحساسه بطاعة الله، وتصبح الفريضة كعدمها. هذا الاتجاه يتبناه الدكتور أبو سريع عبدالهادي، أستاذ الشريعة الإسلامية، مؤكدًا أن استخدام الأدوية المقوية في السحور لمنع الشعور بالجوع والعطش في نهار رمضان يعد نوعًا من التحايل على الدين، وعلى فريضة الصيام. عبدالهادي حذر من أن التمادي في هذه الفتاوى سيؤدي إلى اختراع وسائل بديلة للطعام والشراب دون أن تدخل من الفم، وتابع قائلاً: «للإسلام مغزى وهدف من فريضة الصوم، وهي الامتناع عن المأكل والمشرب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، وليس الامتناع عن الشهوات امتناعًا ماديًا فقط، بل امتناع روحي، واستجابة لأمر الله تعالى في فريضة الصوم، فقد ثبت علميًا أن الإنسان حينما يجوع أو يعطش تميل نفسه إلى الهدوء والسكينة، وتنطلق روحه إلى مرحلة من مراحل الصفاء، خاصة إذا تابع الصوم بالعبادة، وقيام الليل». أستاذ الشريعة الإسلامية أشار إلى أنه إذا لم يشعر الصائم بالجوع والعطش باستخدام هذه الأدوية ففي هذه اللحظة سوف يفقد إحساسه بالفريضة، وبالتالي إحساسه بطاعة الله، وتصبح الفريضة كعدمها، ومن هنا فإن استخدام الأدوية في السحور لمنع الإحساس بالجوع والعطش لا يجوز، بل حرام أيضًا.

حكمة الصوم... يتفق مع سابقه في الرأي الدكتور أحمد طه ريان، أستاذ الفقه المقارن، ويقول: «إن اعتماد الصائم على تناول بعض الأدوية في السحور حتى لا يشعر بالجوع والعطش في ظل الجو الحار يتنافى مع أحد الأهداف السامية من الصيام، وهو الشعور بما يعانيه الفقراء والمساكين من جوع وعوز».. مشيرًا إلى أن هذه الأدوية تفسد الحكمة من الصوم، وإن كان هذا لا يعني إبطاله، فالصوم في الفقه الإسلامي يبطل إذا دخل جوف الإنسان شيء عن طريق الفم، أو عن طريق الحقن بالجلوكوز، أو أي وسيلة أخرى يمتص بها الدم؛ فمن الواجب عدم الاقتراب لمثل هذه الأدوية، إلا لمن يعاني من مرض قد يعوق صيامه أو لا يقوى على الصيام.

أعذار الصيام

بدوره يؤكد الدكتور أحمد محمود كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الدراسات الإسلامية، أن الصوم هو الإمساك عن المفطرات من أكل وشرب أو غيره من المفسدات للصوم من طلوع الفجر وحتى غروب الشمس.

وأوضح أن صوم رمضان واجب بالكتاب والسنة، وقد أجمعت الأمة على فريضة الصوم، وأنه أحد أركان الإسلام الخمسة، كما أنه واجب على كل مسلم عاقل وبالغ.

ومن هنا فإن من ليس له المقدرة على الصيام لإصابته بمرض جسدي أو لكبر سنه فيحق له أن يتناول أدوية في السحور تعينه على أداء فريضة الصوم دون أن يؤذي نفسه.

أشار كريمة إلى أنه من أعذار الصيام كبر السن عند المشقة، والمريض بأحد الأمراض المزمنة؛ فيجوز له الإفطار، أما إذا أراد أداء الفريضة فيجوز له تناول الأدوية التي تعينه على الصيام، خاصة مريض السكر الذي قد يحتاج إلى أدوية تمنع إحساسه بالعطش.

أما الدكتور عبدالمعطي بيومي، عضو مجمع البحوث الإسلامية والعميد السابق لكلية أصول الدين؛ فيؤكد من الأمور المسلم بها في الشريعة الإسلامية الحفاظ على النفس بكل الطرق، فلا يجوز للإنسان أن يمس جسده أو يفعل ما يؤذيه نفسيًا، ويؤثر في صحته ومسيرة حياته.. مؤكدًا أن القرآن والسنة مليئان بآيات الحفاظ على النفس، والنهي عن أن يرمي الإنسان نفسه للتهلكة، وهذه قاعدة عامة للإنسان كمخلوق لله سبحانه وتعالى.

انطلاقا من ذلك تابع بيومي قائلاً: «أجمع الفقهاء على أنه يباح للمريض وكبير السن الذي يعجز عن الصوم أن يفطر، وعليه القضاء عما أفطره من أيام، أما إذا أراد الصوم فيجوز له اللجوء لأي وسيلة تساعده على الصوم بحيث ألا يضر نفسه».

زاد بيومي على ذلك بأن الصوم واجب على المسلم البالغ والعاقل المطبق للصوم طبقًا لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.

وأشار إلى أن الصيام من الصبر. والصبر ثلاثة أنواع، وتجتمع في الصوم في أنه صبر على طاعة الله، وصبر عما حرمه الله على الصائم من الشهوات، وصبر على الجوع والعطش وضعف النفس والبدن، حيث قال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}؛ فالصيام للبالغ والعاقل والقادر، ومن لم يستطع فعدة من أيام أخر، وإذا أصر فيجوز له الاستعانة ببعض الأدوية التي تقوية على الصيام بحيث ألا يضر نفسه.