واصل الملتقى الرمضاني الثامن فعالياته أول من أمس بأمسية دينية لفضيلة الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي تحت عنوان «أول العابدين» وأشاد فضيلته في بداية المحاضرة ببرنامج «خطيب الأمة» الذي يقام ضمن فعاليات الملتقى الرمضاني والذي يهدف إلى تدريب البراعم على فن الإنشاد والخطابة.

وقال إن رعاية هؤلاء البراعم هو الطريق لنشر رسالة الإسلام ونجاح وفلاح الأمة المحمدية والعالم أجمع، نظرا لقدرة الإنسان المسلم الحق على إحداث التغيير الإيجابي في نفوس الناس والمجتمعات. وأشاد الداعية الإسلامي بالجمهور وقال إن هذا الجمهور الكبير هو صاحب الفضل على العلماء بفضل حضورهم واستماعهم لمثل هذه المحاضرات، والمشاركة في الندوات الدينية، فأنتم تحفكم الملائكة في هذا المجلس وغيره من مجالس العلم بل أعتبر الجمهور أفضل عند الله من الملائكة لان الملك جُبل على الخير المحض والشياطين جُبلت على الشر المحض بينما وضع الله سبحانه وتعالى الخير والشر في الإنسان فإن تغلب الخير على الشر كان عند الله أفضل من الملائكة وإن تغلب الشر على الخير كان أسوأ من الشياطين. وذكر أن أول العابدين محمد صلى الله عليه وسلم قاد البشرية إلى النور وعبادة الإله الواحد بعدما كانت غارقة في عبادة الآلهة المتعددة إلا عبادة الله الواحد القهار، فالناس في الجاهلية قبل الإسلام كانوا مرضى بعبادة الأوثان فكانوا يحيطون الكعبة بأكثر من 360 صنما حتى جاء أول العابدين ليخرجهم من عبادة الأوثان والأصنام المتعددة إلى عبادة رب العالمين.

وقد واجه النبي الكثير من المتاعب في رحلته نتيجة تعصب أهل الجاهلية فقد حرمت العصبية عمرو بن هشام من الدخول في الإسلام، كما حرمت صاحب أحد المعلقات وهو الأعشى من التوحيد، فعندما ذهب إلى سيدنا محمد ليعلن إسلامه قابله أبو جهل وسأله إلى أين أنت ذاهب؟ فقال لمحمد لكي أُعلن إسلامي ولكن أبو جهل قال له إن محمد قد حرم الخمر، ومنعه من الذهاب إلى النبي بعدما حرك فيه العصبية القبلية تجاه النبي عليه أفضل السلام.

وأوضح الدكتور عبد الكافي أن الله سبحانه وتعالى ذكر كلب أصحاب الكهف في كتابه أربع مرات ليس لمجرد ذكر الكلب وإنما لأن هذا الكلب كان يصاحب الأخيار في ترحالهم لذا قال العالم ابن سيرين «من صاحب الأكابر سَلِم» ومن هنا يجب على الإنسان أن يختار الصحبة الصالحة حيث يقول الله عز وجل في كتابه «الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين» كما يجب على المسلم أن ينظر من يصاحب.

وحذر الإنسان من الوقوع في الكبر والعُجب والغرور حتى لا يقع في الشرك فقد أرسل الله سبحانه وتعالى لبني إسرائيل عيسى عليه السلام من دون أب، لأنهم لم يكن من بينهم ما يستحق أن يخرج الله من ذريته نبي يقود الأمة لأنهم صنعوا أسوأ ما يمكن أن يصنعه الإنسان عندما جعلوا لهم آلهة خاصة بهم حيث «خصخصوا الربوبية» وجعلوها قاصرة عليهم ومن دونهم من البشر لا قيمة لهم أو كما يقولون كل من هم دونهم «حيوانات».

وقال إن أمة أول العابدين محمد صلى الله عليه وسلم ترد الجميل لسيدنا إبراهيم عليه السلام عندما تقول في التشهد الأخير من الصلاة اللهم صل على سيدنا إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم بعدما دعانا الخليل إبراهيم لكي نكون مسلمين حيث يقول المولى عز وجل في كتابه «ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة» فاستجاب الله دعاء الخليل إبراهيم وكان العرب أمة مسلمة.

وشدد الدكتور عبد الكافي على ضرورة التمسك بأخلاق أول العابدين مشيراً إلى أن لكل شيء مقياساً ولكن النبي صلي الله عليه وسلم هو مقياس الأخلاق عالمياً والمعيار الذي تقاس به الخصال الحميدة لقول الله تعالى «وإنك لعلى خلق عظيم».

فكان عليه السلام رحيما في بيته حليماً مع زوجاته لين الكلام بشوش الوجه لا يغضب أبداً إلا إذا ارتكبت حرمة من حرمات الله، كما كان عليه السلام المثل والقدوة في كل المعاملات الحياتية داعياً المعلمين أن يكون قدوتهم النبي في التربية والتعامل مع الطلاب في المدارس حتى يستطيعوا أن يؤسسوا جيلا قادرا على قيادة الأمة إلى الخير والرشاد، كما دعا الآباء إلى أن يكون النبي قدوتهم في تصرفاتهم وسلوكياتهم اليومية كذلك الشباب وكل فئات المجتمع فالنبي عليه السلام هو القدوة والمثل الذي استطاع ان يبني الأمة المحمدية ويخرج البشرية من ظلمات العبودية وإلى نور التوحيد.

وضرب الدكتور عبد الكافي العديد من الأمثلة التي تظهر قدرته صلى الله عليه وسلم وسماحته في التعامل مع الناس فعندما دخل أعرابي المسجد وأراد أن يتبول فقام وتبول في أحد أركان المسجد فهرع إليه الصحابة، فمنعهم عليه السلام وقال ضعوا دلوا من الماء على بول صاحبكم ثم وضع كفه على كتفه وقال له هذا المكان ليس لما فعلت فلم يعنفه النبي ولم يقطع عليه بوله بل عامله بالحسنى.

وشدد الشيخ خلال المحاضرة على ضرورة التأسي بالنبي وعدم استخدام العنف في صناعة المعروف والنهي عن المنكر، داعياً الناس إلى عدم الإفتاء فيما لا يعلمون فقد كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه مريضاً ويجلس وهو ممدد إحدى قدميه حتى لا يصيبه الألم وعندما شاهد رجلاً وقوراً ظن أنه عالم كبير فلم يمدد قدمه حرجاً منه وتحمل على نفسه التعب ولكن عندما تكلم الرجال وقال للشيخ ماذا لو طلعت الشمس قبل الفجر فقال الإمام آن لأبي حنيفة أن يمد قدميه الاثنتين.

وأشار إلى أهمية التمسك بصفات النبي عليه السلام في عبادته وصلاته مشيراً إلى أن النبي كان يقضي في سجود الركعة الواحدة ما يعادل قراءة خمسين آية وكان عمر يصلي ركعتي الصبح بالمئة آية الأولى من سورة البقرة في الركعة الأولى وستين آية في الركعة الثانية ويقول لقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نُخفف في صلاتنا.

وأكد أن من الخطأ أن يعتبر الإنسان المسلم أن العبادة في الصلاة والصوم فقط بل إن الصلاة والصوم هما جزء صغير من العبادة فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام عندما يذبح يسأل هل أهديتم من الذبيحة إلى جارنا اليهودي، لذا يجب على الإنسان المسلم أن يكون ملتزما في كل تعاملاته وتصرفاته وأن يكون سلوكه نابعا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام.

وقال إن الإنسان المسلم يجب أن يدرك معنى الآية الكريمة «إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ؟لْعَالَمِينَ » فيجب أن يسأل الإنسان نفسه هل هناك صلاة لغير الله ومن هنا تظهر أهمية النية حيث يجب أن تكون النية حاضرة وخالصة لله سبحانه وتعالى كما يجب أن يكون المعروف الذي يصنعه الإنسان لله عز وجل ولا ينتظر أن يرده إليه الشخص الذي فعل المعروف من أجله.

ودعا الدكتور عمر عبدالكافي الناس إلى عدم التعلق بالدنيا حتى لاتطغى عليهم ولا تسود مثل هذه العبارات السوداوية التي يرددها البعض مثل «الأخ فخ» أو «الأقارب عقارب» لان مثل هذه الكلمات نابعة من عدم الإيمان وغياب التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الدين أهم شيء في حياة الإنسان فيكون ذلك العبد عند الله أهم شيء.

وقال الدكتور عمر عبد الكافي إن تمسك المسلمين بالمنهج المحمدي وطريق أول العابدين واتخاذهم الرسول مقياسا في كل شيء سوف يفتح لهم طريق الخير في الدنيا والآخرة بل سيكونون قادة الأمم.

وتجنب الشيخ عبدالكافي انتقاد أي من الجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة حاليا سواء كانت من جماعات السلفيين أو الصوفيين مالم تكن هناك بدع، داعياً الإنسان المسلم أن يكون كالنحلة تأخذ الرحيق من الزهر لتصنع منه شيئا جميلا فيجب على الإنسان أن يأخذ من الجماعات الموجودة ما هو نافع وصالح ومفيد وأن يقدر المسلمون النبي حق قدره.