الزكاة حل ديني عرضه الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا لتحقيق التوازن بين الناس، وإرساء الأمن والاستقرار في المجتمع.. وفي ظل تزايد المشكلات الحياتية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، وفشل كل التجارب الغربية في حلها تظهر الزكاة كحل حتمي للمعادلة الصعبة.. والتساؤل الذي يتجدد كل عام باحثًا عن إجابة.. كيف يمكن أن تصل زكاة شهر رمضان لمستحقيها دون هدر؟! وبمعنى آخر كيف يمكن في ظل المتغيرات الحياتية استغلال أموال الزكاة بأحسن ما يكون لتحقيق أكبر استفادة ممكنة؟!.

يقول د.محمود يوسف كريت، رئيس قسم الثقافة والدعوة الإسلامية بكلية أصول الدين جامعة الأزهر: «لقد حدد الله مصارف هذه الزكاة في قوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم}، والراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم جواز صرف الزكاة إلى عموم مصالح المسلمين.

حيث إنشاء الطرق والمدارس، أما قوله تعالى {في سبيل الله} فتشمل القيام بشؤون الدعوة من تبليغ الدين للمسلمين ولغير المسلمين سواء بالسنان أم باللسان».

د.محمد جاهين، أستاذ الاقتصاد الإسلامي طالب بدوره بإنشاء مؤسسة حكومية تجمع أموال الزكاة في كل دولة، وتوجيهها بشكل اقتصادي سليم للنهوض بمقدرات المسلمين.. مشيرًا إلى أن نجاح هذه المؤسسة سيكون بمثابة برهان عملي على أهمية تطبيق الاقتصاد الإسلامي الذي أصبح مطلبًا أساسيًا للمسلمين، خاصة في ظل ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية التي أصابت جميع الاقتصادات المتقدمة منها والنامية.

يوضح جاهين أن الأصل هو تنظيم هذه المؤسسة على مستوى العالم الإسلامي باعتبار أن دولة الإسلام دولة واحدة؛ لكن هذا الأمر من المحال تنفيذه في الوقت الراهن؛ نظرًا لاتساع النطاق الجغرافي، وغيرها من العوامل المعرقلة؛ لذا فمن المفترض أن تقوم كل دولة بإنشاء هذه المؤسسة داخل حدودها؛ على أن يكون ذلك وفق أسس ومبادئ علمية.

تتفق د. زينب الأشوح، أستاذ الاقتصاد الإسلامي، مع أهمية إنشاء مؤسسة لجمع أموال الزكاة.

وتوجيهها استثماريًا لما يخدم صالح المسلمين.. موضحة أن الإسلام حدد المصارف الشرعية للزكاة وهم الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وأبناء السبيل، وفي سبيل الله.. غير أنه مع تطور العصر بات من الصعب تحديد «المؤلفة قلوبهم» و«في سبيل الله»؛ حيث أصبح التركيز الأساسي في إنفاق الزكاة على المصارف الأخرى.

وبناء على ذلك فمن الممكن استثمار جزء من أموال الزكاة في مشاريع استثمارية إنتاجية تخدم المجتمع؛ بحيث توفر فرص عمالة من ناحية، ومستلزمات إنتاجية من ناحية أخرى، وفي الوقت نفسه يمكن استثمار الأرباح في عمل مشروعات جديدة لتحقيق نفس الأهداف.

وتوضح الأشوح أن توجيه أموال الزكاة لمشروعات إنتاجية يجب ألا ينتقص من الأموال الموجهة للمصارف الأخرى، وترى ضرورة أن تبتعد هذه المؤسسة في تشكيلها وطبيعة عملها عن النمط الحكومي أو الرسمي؛ بمعنى أن تكون هذه المؤسسة أهلية مستقلة لا تخضع لإشراف حكومي حتى لا تدرج أموالها ضمن الميزانية العامة للدولة؛ إضافة إلى أن كون المؤسسة غير حكومية سيساهم في تفعيل دورها، وإقبال الناس على التعامل معها.

وترى الأشوح أهمية أن يشرف على هذه المؤسسة أشخاص يتمتعون بحب الناس وثقتهم؛ حتى يتأكد المتعاملون مع هذه المؤسسة أن أموالهم ستذهب إلى المصارف الشرعية؛ كما يجب أن تكون هناك فروع لهذه المؤسسة في جميع أنحاء الدولة حتى تلبي احتياجات المسلمين في مختلف المناطق بدلاً من اقتصارها على مناطق بعينها.

ويعترض د.عبدالمعطي بيومي، العميد السابق لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، على المطالبة بإنشاء مؤسسة لجمع أموال الزكاة.. مؤكدًا أنه من الأفضل أن يقوم المزكي بدفع المال مباشرة لشخص يعرف أنه بحاجة إليها دون تعقيدات وإجراءات قد تسمح بحصول كثيرين ممن لا يستحقون على هذه الأموال.

إن الجهة أم المؤسسة التي ستقوم بجمع أموال الزكاة سواء كانت حكومية أم مستقلة فإنها، في رأى بيومى، لن تنجح في ذلك؛ بل إن الأمر قد ينعكس سلبًا على حصيلة أموال الزكاة التي قد تقل نتيجة عدم وجود ثقة بين الناس وأي جهة حكومية أو أهلية، خاصة أن القلق سيتسرب إلى كثيرين من المُزكين خشية استغلال أموالهم التي يزكون بها في مشروعات استثمارية تهدف إلى تحقيق الربح على حساب الفقراء. يشير العميد الأسبق لكلية أصول الدين إلى أنه حتى لو فرض ووجدت هذه المؤسسة فإن المسلمين ليسوا ملزمين بأن يقدموا لها أموال زكاتهم، لأن الإسلام أعطى لكل مسلم حرية اختيار توجيه زكاته.

ويضيف: «إن فكرة إنشاء مؤسسة للزكاة سبق وأن عرضت على مجمع البحوث الإسلامية في مصر حيث اختلف عليها أعضاء المجلس بين مؤيد ومعارض.

حيث تركزت أوجه الاعتراض في الخوف من أن تتولى هذه الفكرة مؤسسة ربحية على حساب الفقراء؛ إلا أن أغلب أعضاء المجلس وافقوا على الفكرة باعتبار أن المؤسسة ستكون مستقلة، وسيقتصر هدفها فقط في جمع أموال الزكاة، وتوجيهها للفقراء والمساكين».

يتفق د.عبدالفتاح علام، عضو مجمع البحوث الإسلامية، مع الرأي السابق.. موضحًا أنه لا يجد مبررًا واحدًا يدفع أي شخص لينادي باستثمار أموال الزكاة في مشروعات استثمارية لخدمة المجتمع، خاصة أن هذه المشروعات قد تفشل وتعلن إفلاسها؛ وبالتالي تضيع حقوق الفقراء والمساكين والمحتاجين لأموال الزكاة.

ويلتقط د.أبو سريع عبدالهادي، أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر، خيط الحوار.. مشيرًا إلى أن استغلال أموال الزكاة في مشروعات قد يعود بالفائدة على بعض الأفراد ويُحرم المحتاجون والفقراء منها، والإنسان العادي الذي يزكي بأمواله قادر على التمييز بين الفقير والمحتاج وغيره من غير المحتاجين؛ وبالتالي فهو أجدر على توجيه أمواله لمن يريد دون حلقات وصل.

ويعترض الداعية الإسلامي د.عبدالصبور شاهين على مقولة ان من حق المزكي أن يوجه أمواله كيفما شاء.. موضحًا أن هناك فقراء كثيرين يستحقون الزكاة؛ ولكن المزكي يحسبهم أغنياء من التعفف؛ لذا فإن الأمر يحتاج إلى تنظيم، وهذا لن يتأتى إلا من خلال تولي الدولة مسؤولية جمع الزكاة، وإنفاقها في مصارفها الشرعية؛ على أن يتم ذلك في إطار قانون واضح وصارم يحدد آليات الجمع والتوجيه. ويوضح شاهين أنه ليس شرطًا أن تكون المؤسسة المعنية بالزكاة تابعة للحكومة فقد تكون مستقلة أو خيرية لضمان إقبال الناس عليها، ولكن المهم هو أن تكون هناك لوائح ونظم ورقابة تنظم عمل هذه المؤسسة.

وتحتفظ د.آمنة نصير، أستاذ الفلسفة الإسلامية والعقيدة في جامعة الأزهر، على فكرة إنشاء مؤسسة للزكاة..

مبررة ذلك بأن التجارب السابقة والمشابهة التي سارت على نفس الدرب لم تثبت جدواها ولم تحقق المأمول منها؛ نظرًا لعدم قدرتها على كسب ثقة دافعي الزكاة.

فضلاً عن أن معظمها كان يعمل بشكل عشوائي ودون رقابة.

ترى نصير أن التوجيه الأمثل لأموال الزكاة يجب أن يمر من إحياء فكرة «بيت المال» من خلال إنشاء «بيت الزكاة» يقوم بمهام عديدة في هذا الشأن أهمها مساعدة الفقراء، والإنفاق على المرضى، وغيرها من الأدوار التي كان يقوم بها قديمًا «بيت المال».