ألقى الداعية الدكتور عمرو خالد محاضرة بعنوان (الاستعداد للقاء الله عز وجل) وذلك ضمن الفعاليات المصاحبة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، في مقر جمعية النهضة النسائية بدبي، وأشار في بداية محاضرته أن عنوان المحاضرة مرتبط ارتباطا شديدا بشهر رمضان الكريم، وها قد مضى ربع من الشهر الفضيل، والساعات معدودة وقال تعالى (أياما معدودات) وكأنه سبحانه وتعالى يلفت نظر المسلمين إلى أن شهر رمضان يمضي سريعا كأنه أياما معدودات وإن كان شهرا كاملا.

ودعا الدكتور عمرو خالد إلى الاستعداد للقاء الله تعالى بربطه بشهر رمضان الحالي من خلال عدد من الأفعال والمعاني، أولها على الإنسان أن يكون شهر رمضان رصيد الحسنات والأعمال والأفعال الخيرة، فهو شهر إيداع الحسنات، فالإنسان أقرب ما يكون لله تعالى في شهر رمضان بالتعبد وختم القرآن ويسعى للخير ويحاول الابتعاد عن السيئات، فبعض من الناس يستنزفون هذا الرصيد خلال بقية أشهر العام في عمل المنهيات أو المنكرات أو السيئات.

ولهذا فإن رمضان هو شهر الرحمة والمغفرة ومضاعفة الحسنات، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أدى فيه نافلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه) وذكر أنه من الأثر أن يأتي رجل يوم القيامة فيُقال: زنوا حسناته وسيئاته، فترجح سيئاته فيقول من يقرضني حسنة واحدة؛ لأدخل بها الجنة؟ فيذهب لأمه وإخوانه وأصدقائه كلهم يقولون: نفسي نفسي، فيمر برجل عنده جبال من السيئات وحسنة واحدة فيقول له الرجل: خذ هذه الحسنة.. فيفرح.. فيقول الله تبارك وتعالى للذي أعطى الحسنة: لست أرحم به مني وأنا أرحم الراحمين، ادخلا كلاكما إلى الجنة.

وشدد الدكتور على عدم الملل من العبادة والمثابرة على فعل الحسنات، وذكر أن الحساب يوم القيامة مرتبط بمن لديه رصيد من الحسنات ومن لا يملك، وكذلك العقوبات السريعة على الأخطاء في الدنيا مرتبطة بذات الأمر، وضرب مثلا من قصص القرآن الذي ذكره إبن القيم والذي عد مقارنة بين النبيين موسى ويونس عليهما السلام وفرق الرصيد بين الاثنين، أما موسى فوكز رجل بيده فقضى عليه، وهو قتل خطأ واستغفر الله عليه، وألقى الألواح التي بها كلام الله، ومسك نبيا وجره من لحيته، ومع ذلك فإن الله يحبه ويكرمه ويسميه كليم الله ..

ويقول له اصطنعتك لنفسي ولا يعاقبه، أما يونس فأغضب الله مرة بتركه أمرا من أوامر الله فألقاه في بطن الحوت، وهنا يتساءل القيم عن سبب عدم المعاملة بالمثل، والشاهد أن الفرق في الرصيد، بأن موسى وقف أمام فرعون وحاربه، وأخذ يدعو بني إسرائيل وما أدراك ما بني إسرائيل، فمقامه ورصيده عند الله كبير، أما يونس فعلى النقيض ليس له رصيد فلذلك عاقبه الله تعالى عندما أخطأ، والذي أخرج يونس من بطن الحوت هو الرصيد لقوله تعالى (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنه إلى يَوْم يُبْعَثُونَ)، وهنا كلمة كان في الآية الكريمة دليل على أن يونس عليه السلام أصبح لديه رصيد تسبيح.

والمعنى الثاني التقوى، فالله تعالى كتب شهر رمضان على المسلمين لهدف، وجاء في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، وهنا يجب التمعن بكلمة لعلكم تتقون، وعلى المسلم أن يقيس نفسه قبل رمضان وبعده، وكيف هي أخلاقه قبل الشهر وبعده، فإذا وجد نفسه اتقى الله في نفسه وزوجه وأبنائه ومجتمعه فوجد القبول بإذن الله تعالى.

والمعنى الثالث صلة الحم، أن لرمضان علامات مميزة مرتبطة بيوم الحساب، وهي الرحم فالله تعالى لما خلق الأرض كانت مجسدة، ولما خلق الخلق تعلقت بالعرش، ولما يأتي يوم القيامة تتعلق بالعرش مرة أخرى، وتقول: اللهم فلان وصلني فأدخله الجنة، وتقول: إن فلانا قطعني فأدخله النار.مضيفا أن شهر رمضان شهر الرحمة والمغفرة، وهذه الرحمة مقيدة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم).

حيث جاء في قصة الحديث في حجة الرسول عليه الصلاة والسلام الوحيدة، فعن عبد اللَّه بن أبي أوفى رضي اللَّه تعالى عنه قال (كنا جلوساً عشية عرفة عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم لا يجالسني من أمسى قاطع الرحم ليقم عنا، فلم يقم أحد إلاّ رجل كان من أقصى الحلقة فمكث غير بعيد ثم جاء، فقال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مالك لم يقم أحد من الحلقة غيرك؟

قال يا نبي اللَّه سمعت الذي قلت فأتيت خالة لي كانت تصارمني: أي تقاطعني، فقالت ما جاء بك ما هذا من دأبك فأخبرتها بالذي قلت فاستغفرت لي واستغفرت لها، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم أحسنت أجلس ألا إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها).

وأشار إلى المعنى الرابع وهو الصدقة، ودعا الجمهور إلى التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ابن عباس (كان رسول الله جواداً وكان أجود ما يكون في رمضان فهو كالريح المرسلة بالخير)، وقال النبي عليه الصلاة والسلام (الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار)، وقال سيدنا أيضا (من تصدق بمقدار تمرة من كسب طيب فان الله يربيها لصاحبها حتى يلقى الله يوم القيامة والتمرة كجبل أحد).

وشدد الدكتور على الجود في العطاء وعدم الاكتفاء بالصدقة منبها أن الجود والعطاء يشمل المال والأشياء العينية والكلمة الطيبة والابتسامة ومساعدة الناس، وفرق بين بخل الجيب وبخل النفوس فالله تعالى قال ( وأحضرت الأنفس الشح)، موضحا أن بعض الزواج شحيح على زوجته بالكلمة الطيبة، والمخدوم كذلك قاس لا يشكر خادمه، وكذلك من النساء شحيحة العاطفة على أبنائها وزوجها على الرغم مع تعارضها مع طبيعتها الحنونة وغيرها من أمور الحياة.

وأضاف أن المعنى الخامس هو الدعاء، مؤكدا أن رمضان هو شهر إجابة الدعاء، وقال أنه في وسط آيات الصيام وأحكامه التي تبدأ بقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) جاء في وسط هذه الآيات (وإذا سَأَلَكَ عِبادي عَنِّي فَإَنِّي قَريبٌ أُجَيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجيبوا لِي وَلْيُؤْمِنوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشَدونَ)، ويكمل الله تعالى بعدها أحكام الصيام، والسؤال ما سبب وضع الله تعالى هذه الآية وسط آيات الصيام ولم يضعها في البداية أو النهاية.

والشاهد أن الله تعالى يذكر ويدعو المؤمن إلى اغتنام هذه الفرصة والدعاء في رمضان لأنه شهر الإجابة، وجاء في الحديث الشريف (إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد)، مضيفا أن الصحابة كانوا يعدون لرمضان، حيث قالوا (كنا نعد لرمضان دعوات محددة نلح عليها طوال الشهر، فوالله ينقضي رمضان فلا يأتي رمضان التالي إلا وقد أجاب الله لنا ما دعوناه به).

والمعنى السادس العتق من النار فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَة)، مشددا أنه من أتى الله بقلب صاف وصادق يعتق بإذن الله تعالى من النار، ومن أعتقه الله تعالى لا يدخل النار أبدا، وعلى المسلم التضرع والتوسل إلى الله تعالى في السجود بالعتق من النار.

وأشار إلى المعنى السابع هو الاستعداد لليلة القدر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (التمسوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر)، ومفتاح ليلة القدر في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أرأيتَ إن أدركت ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال قولي ( اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني).

الطريق إلى حسن الخاتمة

كما ألقى فضيلة الدكتور عمرو خالد الداعية الإسلامي المعروف مساء أمس محاضرة بعنوان «الطريق إلى حسن الخاتمة» حيث بدأ محاضرته بسرد قصص توحي بالغموض والقلق نظرا لغرابة تسلسل أحداثها وخاتمتها، مبتدئا بقصة الصحابي علقمة عندما حضرته الوفاة فقال له الصحابة قل لا إله إلا الله فلم يستطع فحاولوا مرارا فلم يتمكن من ذلك، فأخبروا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال لهم أنظروا هل له أم؟ فقالوا نعم فقال لهم ائتوني بها، فلما جاءت سألها هل في نفسك شيء على علقمة؟

فقالت إنه كان يأتي أولاده بأطيب الطعام ويأتيني بالردى، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أحفروا له حفرة وأضرموا فيها النار وألقوه فيها، وذلك حتى يستدر عطف أمه لترضى عنه، فلما رأت ذلك قالت لقد سامحته يا رسول الله فنطق لسانه بالشهادة على الفور.

كما ذكر قصة أخرى أثارت استغراب الصحابة من رجل كان يقاتل معهم في احدى الغزوات وأبلى بلاء حسنا فلما مات قالوا هو من أهل الجنة فقال لهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو في النار، فاستغرب الصحابة، فبين لهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم السبب لأنه لما أثخن بالجراح لم يحتمل فقتل نفسه بسيفه وانتحر.

ولفت الدكتور عمرو خالد إلى أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو الله دائما بحسن الخاتمة ويقول: «اللهم إني أسألك حسن الخاتمة» ويقول أيضا «إنما الأعمال بالخواتيم» مذكرا بالحديث «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيكون من أهل النار»، موضحا أنه كان يعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس أما باطنه فعكس ذلك.

ثم انتقل للحديث عن أمراض القلوب التي هي أخطر من أمراض الأجساد داعيا الحضور إلى تنقية قلوبهم وتصفيتها مما علق فيها من أدران، خاصة ونحن في شهر فضيل، مستحضرا حديث عائشة رضي الله عنها عندما سألت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لو أدركت ليلة القدر فبماذا أدعو؟؟ قال لها: «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

شارحا معنى وأهمية العفو ومؤكدا على أهمية العفو حتى عمّن ظلمنا، لأن ذلك يمهد لعفو الله، كما حذر الشيخ من سوء الخاتمة وضرب العديد من الأمثلة عن سوء الخاتمة وما يصاحبها من علامات.

وأنهى محاضرته بقصة الصحابي الذي دخل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال لمن حوله من الصحابة يدخل عليكم رجل من أهل الجنة وقال ذلك لمدة ثلاثة أيام فتبعه أحد الصحابة لكي يعرف سبب ذلك وبات عنده ثلاث ليال، فلم يجده مكثرا من الطاعات والعبادات فأخبره بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أنا لا أفعل شيئا سوى أنني أبيت وليس في قلبي شيء لأحد من المسلمين.

وقد حضر المحاضرة العميد الدكتور أحمد عيد المنصوري، مدير أكاديمية شرطة دبي بالنيابة ومهاب نصر القنصل العام لجمهورية مصر العربية في دبي، وعارف عبد الكريم جلفار عضو اللجنة المنظمة رئيس وحدة البرامج والأنشطة في الجائزة وعدد من ضباط الأكاديمية وجمع غفير.

دبي ـ سامية الحمودي