الكلام عن حكم وأهداف الصيام مما يؤنس النفوس ويجذب القلوب للوصل إلى القناعة الشرعية والعقلية لأهمية هذه العبادة العظيمة، فاستيعاب غايات الصيام ومراميه، من أعظم أسباب الاستفادة من شهر رمضان في إصلاح النفس البشرية وبعدها عن الخطأ والرذيلة.
ولكن لابد أن نعلم أنه ليس بوسع أحد مهما أوتي من علم، ورزق من حكمة أن يحيط علماً بكل أسرار الله التي تضمنتها العبادات التي شرعها، والشعائر التي وضعها، وإليك أيها القارئ الكريم بعضاً من أسرار معاني وأهداف الصيام التي بينها العلماء.
ومن أسرار وأهداف الصيام العظيمة، أن الصوم فيه إعداد للأمة لتحمل المشاق وقيادة التغيير بالإرادة القوية: فالصوم مجال لتقرير الإرادة الجازمة، ومجال لاتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، كما أنه مجال للترفع على ضروريات الجسم، وتحمل ضعفها، والصبر على ذلك إيثاراً لما عند الله من الرضا والأجر، فالصوم يعد النفوس لتحمل صعوبات الطريق والعقبات التي تحف بالمسلم ليصل إلى الله تعالى سالماً من الزلات غانماً من الأجور والطاعات.
ومن حكم الصيام وأهدافه السامية أن الصوم يقوي النفس ويمرنها على ترك الشهوات: فالصوم يرتقي بالنفس ويجعلها تتهذب من الشهوات وتتخلص من المغريات، وذلك لأن في الصوم أمرين عظيمين:
الأول: الاقتصاد في والثاني: التعود والصبر على ترك الشهوات إمداد القوى الحيوية إلى الجسم. والمعاصي والسيئات، وبذلك يحصل للإنسان دربة وإرادة وملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، فيتأهل الصائم للتخلق بالكمال، ويكون اجتناب الشهوات أيسر عليه، فيقوى على النهوض بالطاعات والعبادات مع الاصطبار عليها.
ومن أسرار الصيام البليغة وغاياته العظيمة، أن الصوم يقرب الأمة بعضها من بعض، فالصوم يقرب الفقير من الغني والصغير من الكبير، والرئيس من المرؤوس، فيعرف الغني قدر النعمة التي يعيش فيها، فالصوم يذكر الأغنياء الذين هم غارقون في نعم الله جل وعلا بأن لهم إخواناً يتضرعون جوعاً، ليس ذلك في رمضان فحسب بل في جميع أيام العام، بل منهم من يموت جوعاً، فعندما يصوم ويجوع الغني تتحرك أصحاب القلوب الحية والنفوس الأبية للبذل والإنفاق والعطاء، فيكون الود والمحبة بين أفراد المجتمع.
ومن أهداف الصيام وأسراره أن الصوم يربي المسلم على أنواع الصبر: الصبر عن الطعام والصبر عن المعاصي والصبر على طاعة الله، فيتعود المسلم على الصبر الذي هو سبب الإرادة والقوة والتمكين والعزبة وسبب للأجر العظيم والثواب الكبير، فلا شك أن الصيام فيه شيء من التعب والمشقة والجوع، ولكن الصائم يتحمل كل ذلك لله وابتغاء ثواب الله تعالى. قال تعالى: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب».
والصوم يورث الإنسان السلامة من كثير من الأمراض، فللصيام أسرار وفوائد طبية كثيرة، من أبرزها: ما اتضح في عصرنا من تقويته للأجساد وأثره في صحتها بالوقاية من العلل والأمراض الجسمية والنفسية، وغيرها من الفوائد التي يضيق المقام عن ذكرها.
فهذه كانت بعض أسرار الصيام وأهدافه العظام، نسأل الله أن يفقهنا في دينه وأن يوفقنا للعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.