يأتي شهر رمضان هذا العام في ظل أزمة اقتصادية عالمية ألقت بتداعياتها السلبية على كل دول العالم، ولم تفرق في ذلك بين دولة كبيرة أو صغيرة، متقدمة أم نامية.. وقد تمثلت هذه التداعيات في تخفيض أجور كثير من العمال والموظفين؛ فضلاً عن تسريح عدد كبير منهم، بالإضافة إلى الارتفاع المطرد في أسعار السلع والمستلزمات الحياتية الرئيسية.
وسط هذه التداعيات، يؤكد العلماء أن الحاجة ملحة لتطبيق منهج متكامل لتحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين، ليس على مستوى دولة بعينها، ولكن على مستوى العالم كله؛ وقالوا إنه باعتبار أن شهر رمضان هو شهر المودة والرحمة فإن تطبيق هذا المنهج يصبح أكثر إلحاحاً خلال أيام هذا الشهر الكريم.. والتساؤل: كيف يمكن أن نجعل من رمضان شهراً للتكافل الاجتماعي؟
أستاذ العقيدة د. مصطفى مراد يقول في هذا الصدد: «هناك معانٍ عظيمة في الصوم لا بد أن نستشعرها، ونحييها في نفوسنا، ونفوس أهلنا، وأبنائنا، خاصة في ظل ظروف الغلاء المتزايد، حيث يجب مد يد المساعدة للفقراء والضعفاء، وسيادة مشاعر المودة والمحبة والتعاون والتكافل؛ لتكون منطلقاً لمعانٍ عظيمة فقدناها؛ ولابد أن نستعيدها».
يرى مراد أن شهر رمضان فرصة جيدة لتحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين من خلال تدعيم سبل العمل الجماعي في جميع أمورنا الحياتية، باعتبار ذلك مبدأ إسلامياً يجب أن نطبقه في كل تصرفاتنا وأحوالنا؛ حتى نصل إلى أفضل الصور التي تحقق المصالح العليا للدين والوطن.
ويدعو في هذا الصدد المسلمين إلى إخراج قيمة زكاة الفطر على هيئة أموال للفقراء والمحتاجين؛ مؤكداً أن هذا الأمر أنفع لهم، ووسيلة لتحقيق التكافل الاجتماعي؛ لأن المال أنفع للفقير والمحتاج الذي يعرف أكثر من أي فرد آخر احتياجاته ومتطلباته.
ويستطرد مراد موضحاً: «يجوز أيضاً للمزكي أن يشتري بقيمة زكاته أشياء عينية تنفع الفقير في سد احتياجاته، وتحقق كفايته مثل الملابس أو الأدوات الحرفية والتعليمية وغيرها».
وفي رأي د. عبدالفتاح إدريس، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، فإن تحقيق التكافل بين المسلمين خلال شهر رمضان يجب أن يكون في إطار عالمي، خاصة في ظل الأزمة العالمية الراهنة، التي ألقت بآثارها على جميع القطاعات الإنتاجية والوظيفية ليس على مستوى دولة بعينها، ولكن أيضاً على مستوى دول العالم كله.
يشير إدريس إلى أنه لا بد من مد يد العون والمساعدة لتوفير نفقات هؤلاء من ناحية، وحماية لهم ولأسرهم من الانحراف عن الطريق المستقيم تحت ضغط الحاجة والعوز من ناحية أخرى، ولتحقيق ذلك يطالب إدريس بضرورة تنظيم إخراج الزكاة على قاعدة مؤسسية جمعاً وتحصيلاً بشكل منضبط؛ ووفقاً للأحكام الشرعية التي اتفق عليها العلماء داخل كل دولة، على أن يتم بعد ذلك التنسيق بين هذه المؤسسات المعنية بالزكاة في العالم؛ لتعميم توجيهها لمختلف الأقطار الإسلامية تبعاً لاحتياجاتها.
فرصة روحانية
بدوره يشير د. عبدالمعطي بيومي ـ أستاذ الشريعة الإسلامية ـ إلى أن الفقر وظروف الحياة الصعبة أديا إلى اختفاء كثير من مظاهر الحب والمودة بين المسلمين داخل المجتمع الواحد؛ حيث أصبح كل فرد مسؤولاً عن نفسه وعمن يعول، دون الانتباه إلى كثير من القيم التكافلية التي حث عليها الإسلام.
بيومي يرى أن شهر رمضان فرصة روحانية لإحياء هذه القيم التي كادت تختفي تحت وطأة ظروف الحياة، ما يؤكد إحياء قيم التكافل بين المسلمين؛ فعندما تتحسن الظروف المعيشية، ويشعر الإنسان بالرضا تهدأ نفسه، وينعكس ذلك بالتبعية على سلوكه وتصرفاته نحو أهله وذويه وأفراد مجتمعه.
يلفت بيومي إلى أن شهر رمضان يأتي هذا العام قبل بداية العام الدراسي بقليل؛ وبالتالي فمن الأهمية توجيه جزء من أموال الزكاة إلى اليتامى والفقراء والمحتاجين للإنفاق عليهم في مجال التعليم وإتمام دراستهم..
موضحاً أن ذلك جائز شرعاً، حيث رأى فريق من العلماء أن حد إعطاء أموال الزكاة هو «الإصلاح» بمعنى أن الفقير لا يأخذ الزكاة بمقدار ما يسد كفايته، ويقضي حاجته فقط؛ ولكن أيضاً بمقدار يخرجه من حد الحاجة إلى حد الغنى، فإن كان صاحب علم أعطي من المال ما يساعده على إتمام دراسته، لاسيما في ظل متغيرات العصر الراهنة التي اقتضت طبيعتها أن صار المؤهل العلمي وسيلة للحصول على كثير من الوظائف.
د. أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن، يشير بدوره إلى قول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».. موضحاً أن شهر رمضان يجب أن يعمل المسلمون من خلاله على تطبيق هذا الحديث، فليس من المقبول أن نهنأ بالمأكل والمشرب في الوقت الذي لا يجد فيه كثير من المسلمين ما يسد رمقهم.
يوضح كريمة أن التكافل بين المسلمين خلال شهر رمضان لا يجب أن يكون على المستوى المادي فقط؛ ولكن هناك جوانب أخرى تتطلب من المسلمين الوقوف بجانب إخوانهم ونصرتهم ضد الظلم والطغيان الذي يعاني منه المسلمون في مناطق متعددة من العالم والرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما من امرئ يخذل امرأ مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته».
يدعو كريمة إلى ضرورة أن يتبنى رجال الأعمال وأصحاب الشركات حملة فيما بينهم للتبرع ولو بجزء يسير من أرباحهم للأعمال الخيرية، وتحديداً توجيهها للفقراء والمحتاجين للقضاء على كل أشكال الفقر والعوز في المجتمع.. موضحاً أن أصحاب الشركات ورجال الأعمال نشأوا في هذا المجتمع، وأصبحوا على ما هم عليه الآن بفضله، وبفضل أبنائه، وحان الوقت ليردوا جزءاً مما أخذوا.
وتقول الداعية الإسلامية وأستاذ العقيدة د. أمنة نصير: «لقد حرص الإسلام على إرساء قواعد الألفة والمودة وحب الناس لبعضهم داخل المجتمع الواحد لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «حب لأخيك ما تحبه لنفسك»، وهذا لن يحدث في مجتمع به شريحة كبيرة من طور الحاجة والعوز.. موضحة أن الجانب الاقتصادي له تأثير كبير في حياة الأسرة، وقد يكون أحد عوامل انهيارها واستقرارها.
وتوضح أنه إذا كان علماء الأمة يطالبون مراراً وتكراراً بتفعيل سبل تحقيق التكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع الواحد، فمن الأولى أن تزيد هذه المطالب خلال شهر رمضان؛ باعتباره شهر المودة والرحمة.
وتشير نصير إلى موائد الرحمن باعتبارها مظهراً من مظاهر التكافل بين المسلمين خلال الشهر الفضيل.. مطالبة بضرورة التعاون بين القائمين عليها والتنسيق فيما بينهم، وذلك لتعظيم وتعميم الفائدة المرجوة من هذا العمل الصالح من أجل مصلحة الفقراء في جميع المناطق.
وتقترح في هذا الصدد إسناد مهمة الإشراف على هذه الموائد لمؤسسة اجتماعية أهلية يديرها عدد من الأفراد المشهود لهم بالثقة والكفاءة في هذا المجال؛ وذلك لضمان نجاحها واستمرارها في تحقيق أهدافها ليس في شهر رمضان فقط؛ وإنما على مدار شهور العام الأخرى.
وتؤكد نصير أن المسلم في شهر رمضان يمكنه أن يقوم بأفعال يحصد من ورائها ثواباً عظيماً، وفي الوقت نفسه يساهم في سد حاجة الفقراء وتحقيق التكافل الاجتماعي، مثل التبرع بإفطار صائم أو أكثر كل يوم، حيث يحصل المسلم من وراء ذلك على أجر الصائم دون أن ينقص من أجره.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
