الرسول، صلى الله عليه وسلم، أسوة حسنة لكل مسلم ومسلمة.. لذا فإن الاقتداء به والسير على سننه كفيل بتحقيق أعظم الثواب في شهر رمضان الذي جعله الله شهرًا للخيرات وزادًا للتقوى والبركات..

وفي هذا الحور يلقي د. عبدالفتاح إدريس، رئيس قسم الفقه المقارن بجامعة الأزهر، الخبير الفقهي بمجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة، الضوء على أهم سنن الرسول الكريم خلال هذا الشهر الفضيل، وكيف كان يتعبد به ويسافر فيه للجهاد في سبيل الله.. كما يلقي الضوء أيضًا على عدد من النقاط التي تثير جدلاً على الساحة الإسلامية، لاسيما فيما يتعلق بقضية تجديد الفقه الإسلامي.. فإلى التفاصيل.

في البداية.. كيف كان يستقبل الرسول، صلى الله عليه وسلم، شهر رمضان؟

الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يحتفل برمضان ويحتفي به في بيته ومع أصحابه وأمته لفضيلة هذا الشهر، وعن كيفية استقباله واغتنام أيامه ولياليه دون إفراط وتفريط فيقول: «إذا كانت أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منا باب ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة». ويقول أيضًا، صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم».

ورغم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يرغب في صوم التطوع فإنه نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وذلك للاحتياط لشهر رمضان، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصم ذلك الصوم»؛ لأن ذلك يعتبر من التنطع والغلو في الدين الذي لا يحبه الله ورسوله.

كان الرسول يخص رمضان من العبادة بما لا يخص به غيره من الشهور.. كيف ذلك؟

كان الرسول يواصل العبادة في هذا الشهر، فيصل الليل بالنهار صائمًا؛ ليوفر ساعات ليله ونهاره في العبادة، ومع ذلك كان ينهى أصحابه عن الوصال، ويبين لهم أنه من خصوصياته صلى الله عليه وسلم، إذ يقال له: إنك تواصل!

فيقول: «إني لست كهيئتكم؛ فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الوصال؛ رحمة للأمة، وأذن فيه إلى السحر فقال: «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» .

يفهم من هذا أن الوصال جائز أم غير جائز؟

لقد اختلف العلماء في جواز الوصال أو منعه.. إلا أن المعلوم هو أن تعجيل الفطر أولى، لحديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر»، وقوله أيضًا عن الله عز وجل: «أحب عبادي إليّ أعجلهم فطرًا». .

ماذا عن جهاد الرسول في رمضان؟

كان صلى الله عليه وسلم يسافر في رمضان للغزو وغيره وكان في سفره يصوم ويفطر، ويخير الصحابة بين الأمرين، وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم ليقووا على القتال.. وقد خاض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في رمضان أعظم الغزوات وأجلها وهي غزوة بدر وغزوة الفتح..

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان فقام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وكان أصحابه يتتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم.. وإنما أفطر النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له إن الصوم قد شق على الناس، فلما علم أن بعضهم ظل صائمًا قال: «أولئك العصاة».

قيام ليل رمضان فيه ثواب عظيم.. كيف كان صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على ذلك؟

كان صلى الله عليه وسلم يحث على قيام رمضان ويرغب فيه لقوله: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»..

وعن عائشة، رضي الله عنها، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: «رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا خشية أن يفرض عليكم». قالت: وذلك في رمضان.

وماذا عن قيام ليلة القدر؟

ليلة القدر لها شرف ومنزلة عظيمة عند الله تبارك وتعالى، حيث فضلها على سائر الليالي، فقال سبحانه وتعالى (وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر). وهذه الليلة تكون في العشر الأواخر من شهر رمضان وقد أجمع على ذلك العلماء.. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «التمسوها في العشر الأواخر في الوتر». وفي رواية أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر». ومعنى «تواطأت: أي توافقت».

وقال النبي، صلى الله عليه وسلم، في فضلها: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن هناك بعض العلامات التي يمكن من خلالها موافقة ليلة القدر.

حيث قال صلى الله عليه وسلم عن الشمس في هذا اليوم: «إنها تطلع يومئذ لا شعاع لها» وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة» والشق هو النصف، والجفنة هي القصعة، وفيه إشارة إلى أنها تكون في أواخر الشهر؛ لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلا في أواخر الشهر.

ما تعليقك على من يترك الصلاة طوال شهور السنة ويصلي فقط في رمضان؟

من الضلال الكبير ترك غالب الناس للصلاة طوال السنة، فإذا ما جاء شهر رمضان صلوا وصاموا وكأنهم يعبدون رمضان لا رب رمضان ونسوا في ذلك تحذير الرسول، صلى الله عليه وسلم، وترهيبه الشديد من ترك الصلاة، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة».

ما حكم مشاهدة الأغاني والأفلام في نهار رمضان؟

شهر رمضان له طابع خاص قائم على صيام النفس عن شهواتها، والتدريب على سيطرة العقل على رغباتها، وليس ذلك بالامتناع فقط عن الطعام والشراب والشهوة الجنسية، فذلك هو الحد الأدنى للصيام، ولا يكتفي به إلا العامة الذين يعملون خوفا من العقاب، مع القناعة بالقليل من الثواب، أما غيرهم فيحرصون على الزيادة في كل العبادات فيمسكون عن كل شهوات النفس.

وماذا عن حكم من ينام كثيرًا في نهار رمضان؟

لو نام الصائم طوال النهار فصيامه صحيح، وليس حرامًا، عليه أن ينام كثيرًا مادام يؤدي الصلوات في أوقاتها.. وقد يكون النوم عائقًا له من التورط في أمور لا تليق بالصائم وتتنافى مع حكمة مشروعية الصوم.

جدل محتدم

يأتي شهر رمضان هذا العام في ظل حالة من الجدل المحتدم حول الدعوة إلى تجديد الفقه الإسلامي بما يتلاءم مع مستجدات العصر.. ما رأيك؟

الفقه في حاجة إلى تجديد صورته ومعالجاته، وفقًا للمستجدات والظروف المختلفة التي يمر بها العالم الإسلامي بعد أن امتد نطاق هذا العالم، وصار للإسلام وجود لا ينكر في كل بلاد العالم.