شهر رمضان فرصة روحانية لتنقية النفس البشرية من عواهنها وأمراضها بما يحقق التواصل السلمي مع الآخرين وفي نفس الوقت التقرب من الله وابتغاء مرضاته، من هذا المنطلق يأتي الحوار مع د.محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر، الذي يلقي الضوء على بعض الجوانب المتعلقة بشهر رمضان مثل الحكمة من فريضة الصوم وكيف كانت تصوم الأمم السابقة على الإسلام وغيرها من الأمور الأخرى التي تضمنتها السطور القادمة.

حول الحكمة من فريضة الصيام، يقول د.طنطاوي: الحكمة من الصوم بينها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}. فالتقوى إذن هي الهدف من الصيام باعتبارها أعلى درجات النقاء والصفاء والطهارة والخشية من الله، فالصيام يرتفع بصاحبه إلى أعلى عليين متى أداه بآدابه وشروطه، ويكفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في شأن الصوم «الصوم جنة» أي وقاية من الوقوع في المعاصي ووقاية من عذاب الآخرة ومن العلل والأمراض الناشئة عن الإفراط في تناول الأطعمة والأشربة.

الله تعالى يقول (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) فكيف كان صيام الذين من قبلنا؟

هذا أمر لا يعلمه إلا الله، حيث لم يرد نص صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإسلامية.. ولكن ما يمكن قوله في هذا الإطار هو أن التشبيه في قوله تعالى {كما كتب على الذين من قبلكم} راجع إلى أصل الصوم وفريضته، أي أن هذه الفريضة كانت مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة دون التطرق إلى الكيفية، وفي هذا الأمر أيضًا قيل إن التشبيه ذكره الله تعالى في هذه الآية لتحقيق أكثر من فائدة، منها الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها سبحانه وتعالى لأتباع الرسل الذين سبقوا في الدعوة إلى توحيد الله، وهذا مما يقتضي وفرة ثوابها ودوام صلاحها.

ومن فوائد التشبيه أيضًا تسهيل هذه العبادة على المسلمين؛ لأن الشيء الشاق تخف مشقته على الإنسان عندما يعلم أن غيره قد أداه من قبله، ومن الفوائد أيضًا في هذا الأمر إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه العبادة حتى لا نكون مقصرين في أدائها بل يجب أن نؤديها بقوة تفوق من سبقنا؛ لأن الأمة الإسلامية قد وصفها الله بأنها خير أمة أخرجت للناس، وهذه الخيرية تقتضي منها أداء العبادات بأحسن ما يكون.

ما الحكمة من ملازمة فريضة الصوم مع ترخيص الإفطار للمريض والمسافر في آية واحدة؟

الله تعالى يقول (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) والله يريد أن يوضح للمسلمين أن الصوم فرض عليهم وجعله شأن كل ما شرعه متسمًا باليسر لا بالعسر.

ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه فرض الصوم أياما معدودات وهي أيام شهر رمضان ولم يفرض عليهم صوم الدهر، كما أن الله شرع لمن كان مريضًا مرضًا يضره الصوم أو يعسر معه أو كان على سفر يشق عليه الصوم أن يفطر، وأن يصوم بدل الأيام التي أفطرها أيامًا أخرى مساوية لها في العدد.

هل هناك ضوابط تحدد متى يفطر المريض أو المسافر أم أن الأمر متروك لاختيارهما؟

نص الفقهاء على أن الإفطار مشروع على سبيل الرخصة للمريض والمسافر، ولهما الخيار في ذلك إن شاء أفطرا وإن شاءا صاما إلا أن أكثر الفقهاء قالوا «الصوم أفضل لمن قوي عليه» والواضح في هذا الأمر أن الله تعالى قد أباح الفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج، والحكم الشرعي يوجد حيث توجد مظنة، وينتفي .

حيث تنتفي، وعلى المسلم أن يقدر حال نفسه، فإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس في الصوم معه مشقة أو عسر صام لقوله تعالى (وأن تصوموا خير لكم) وإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقًا عليه أفطر عملاً بقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فالأمر متروك لضمير الفرد واستفتاء قلبه.

يأتي شهر رمضان كل عام ومعه خلاف موسمي بين المسلمين حول بداية الشهر ونهايته.. ما رأيك في هذا الخلاف؟

مسألة الخلاف في بدايات الشهور العربية قلت كثيرًا عما كانت في الماضي. فكثير من الدول الآن تبدأ صومها في يوم واحد. وعندما توليت الإفتاء عام 1986 وجدت هذا الاختلاف ووجدت اعتراضات كثيرة، لكني كنت حريصاً على أن أبين للناس أن قول الإمام الشافعي في هذه المسألة هو الأقرب للصواب، وهو ما أميل إليه، حيث يرى أن لكل بلد مطلعه، وما دام المسلم يصوم 29 يومًا على الأقل ويبدأ الصوم حسب رؤية الهلال وطبقًا للاجتهاد في ذلك فلا شيء في هذا.

أي أن من رأى الهلال في نهاية شهر رمضان يفطر ومن لم يره يتم شهر رمضان 30 يومًا وهكذا في شعبان، وأنا أرى أن ما يعلنه المفتي أو المسؤولون عن تحديد الرؤية هو الأصوب، وعلينا الالتزام به لأن هؤلاء المسؤولين هم الذين يجتهدون في ذلك، ويسألون عن هذا الأمر أمام الله تعالى.

هل من الممكن أن تتعارض الحسابات الفلكية مع الرؤية الشرعية؟

لقد توليت الإفتاء عشر سنوات ولم يحدث خلالها أن تعارضت الرؤية مع الحسابات الفلكية إطلاقًا.

لو حدث تعارض.. فبأي أمر نأخذ؟

نأخذ بالرؤية، لأنها الأصل أما الحسابات الفلكية وغيرها فهي مكملة.

في حال إطلاق القمر الاصطناعي الإسلامي.. هل من الممكن أن يساعد ذلك في تحديد بدايات الشهور العربية؟

لا يمكن الآن تحديد مدى الاعتماد على هذه الأقمار الاصطناعية؛ لأني لا أعرف بالضبط إن كانت أحكامها ظنية أم قطعية.

كيف ترى موائد الرحمن التي يعتبرها البعض وسيلة من وسائل الدعاية الشخصية؟

إذا كانت هذه الموائد تقام بغرض التقرب من الله فأهلاً بها، وما يمكن أن أقوله في هذا المجال هو أننا لا نستطيع أن نفتش في ضمائر الناس وقلوبهم، المهم هنا هو إخلاص النية لله تعالى.

البذخ أصبح سمة رئيسية من سمات المسلمين في رمضان.. ما تعليقك؟

سواء كان البذخ في رمضان أو في غير رمضان فهذا نوع من الترف الذي نهانا الله عنه لقوله تعالى {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}.

كيف تنظر إلى محاولات الهجوم المستمرة على الإسلام؟

الهجوم على الإسلام أمر طبيعي ولن يتوقف حتى قيام الساعة؛ لأن الحرب بين الخير والشر دائرة وستظل.. ورغم ذلك فإن الهجوم على الإسلام لا يزيده إلا قوة لأنه الدين الحق، وصاحب العقيدة لا يمكن أن يهتز أبدًا في مثل هذه الأمور، فإذا اضطرب الكون بأرضه وسمائه فإن صاحب العقيدة لا يجب أن يضطرب؛ لأن العقيدة هي أغلى ما يملكن ومن أجلها يكره ويحب ويسالم ويعادي.

وأين الأزهر من هذا الهجوم؟

الأزهر يقوم بدوره على أكمل وجه، حيث يرد الإساءات ويصحح صورة الإسلام ويبين أن المسلمين يمدون أيديهم إلى كل من يمد إليهم يده بالسلام، وأن الإسلام يأمر باعتناق الفضائل وينهي عن الرذائل.