تتواصل الفعاليات المصاحبة لجائزة القرآن الكريم في جمعية نهضة المرأة بدبي، حيث ألقى الداعية الدكتور عمر عبد الكافي محاضرة بعنوان (يحبهم ويحبونه)، وبدأ حديثه بقول انه من كرم الله عز وجل، أنه جل وعلا اختار صفوة من خلقه رجالا ونساء، ووضع في قلوبهم محبته فيحبونه، وهذا ليس بالأمر الغريب أو العجيب فمعادلة الحياة قائمة على ذلك، لأن الإنسان الضعيف يحب القوي والفقير يحب الغني، والأضعف يتودد للأقوى، ولكن العجيب في الأمر أن يحب القوي الضعيف، وذلك عندما يحب الله تعالى أي إنسان، لا يحبه تعالى لأنه يميزه من باب التمييز لعرقه أو دمه أو لونه أو جنسه أو وظيفته، بل يحبه لملكاته.

مضيفا أنه إذا أحب الله عز وجل عبداً دعا جبريل فقال له (يا جبريل إني أحب عبدي فلاناً فأحبه) وهذا الحب حب بالأمر، فالله تعالى له نوعان من الكلمات، كلمة تكوينية وكلمة تشريعية، فالتكوينية وهي أمر الصنع كن فيكون، وكن التشريعية حول أمور الحياة، إلا أنه استثنى كن المحبة وهي أعلى درجة، فالله تعالى اطلع على قلوب العباد، ووجد أصفى وأنقى قلب من الذنوب والعلل، وأقرب قلب إلى الله في حبيبه المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، لذا أحبه الله عز وجل وحبب فيه الناس، وعند قول تعالى (يا جبريل اني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل..

فينادي جبريل يأهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ويبعث له القبول في الأرض) فالمصدر يبدأ من عند الله سبحانه وتعالى فلو أحبك الله لأحبك الكون كله.

وأشار الى أنه من علامات القبول بكاء المحيطين به إذا رحل، وفرحهم بقدومه إذا أتى، والدليل الثاني أنه تعالى يجعل هذا الإنسان إذا تكلم فلا يشعر الناس بأنه لسان يتكلم بل قلب يتحرك، ومن أمثلة قصص الذين أحبوا الله وأحبهم الله بأنه حكي أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى سمع أن رجلا محدثا في بلاد الشام، فسار إليه ودخل عليه فوجده يطعم كلبا أمامه وهو مشتغل به، قال الإمام أحمد فأخذت في نفسي وأضمرت أن أرجع إذا لم يلتفت إلي.

ثم قال الرجل للإمام أحمد حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من قطع رجاء من ارتجاه، قطع الله رجاءه يوم القيامة فلم يلج الجنة) وإن أرضنا هذه ليست بأرض كلاب، وقد قصدني هذا الكلب فخشيت أن أقطع رجاءه، قال الإمام أحمد رحمه الله هذا الحديث يكفيني ثم رجع إلى أهله.

وأوضح الداعية أن الشاهد من هذه القصة أن هذا الرجل لحبه لله تعالى أحب مخلوقاته وأكرمها، دون أن يفرق بين إنسان وحيوان، وذكر قصة أخرى وهي أن أبو طلحة تقدم لخطبة أم سليم قبل أن يسلم، فقالت له اما اني فيك لراغبة، وما مثلك يُرد، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري، لا أسألك غيره، فأسلم أبو طلحة وتزوجها، وكان ابنها انس بن مالك وليها في عقدها، وقال ثابت: انه ما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم وهو الإسلام.

وفي قصة أخرى أن الإمام أحمد بن حنبل علم أن تلميذا يرتل القرآن كاملا ويختمه كل ليلة عند قيامه الليل حتى الفجر، ثم يصلي الفجر، فأراد الإمام أن يعلمه كيفية تدبر القرآن فأتى إليه وقال بلغني عنك أنك تفعل كذا وكذا؟ فقال: نعم، قال له اذهب اليوم وقم الليل كما كنت تفعل، ولكن اقرأ القرآن وكأنك تقرأه عليَّ ثم أبلغني غداً، فأتى التلميذ في اليوم التالي، وسأله الإمام فأجاب: لم أقرأ سوى ثلاثة أجزاء.

فقال له الإمام واذهب اليوم واقرأ القرآن، وكأنك تقرأه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب ثم جاء إلى الإمام في اليوم التالي وقال: ما رتلت إلا جزء عم، فقال له الإمام: اذهب اليوم وكأنك تقرأ القرآن الكريم على الله عز وجل، فدهش التلميذ ثم ذهب في اليوم التالي، وجاء التلميذ باكيا وتبدو عليه آثار السهاد الشديد، فسأله الإمام: كيف فعلت؟ فأجاب التلميذ باكيا يا إمام والله لم أكمل الفاتحة طوال الليل.

ومن الأمثلة الأخرى عندما كان الخليل أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم قد جاءه وحي من الله بأن يأخذ زوجه وولده ويتركهما في وادي غير زرع، وقال لله تعالى كما جاء في القرآن (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).

وأوضح الداعية بأنه قال لفظ ليقيموا الصلاة تحديدا لأنه يوجد فرق بين إقامة الصلاة وأداة الصلاة، فإقامة الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتجعل أفئدة الناس تهوى لمقيم الصلاة، وأكمل القصة بأنه مع هذا النداء الدامع، وبهذه الصلة الخاشعة مع رب العالمين، أكمل إبراهيم طريقه وهو مطمئن إلى رعاية الله لطفله اسماعيل عليه السلام وزوجته هاجر.

واطمأنت هاجر إلى قدر الله وأيقنت أن الله لن يضيعهم، وظلت على وضعها حتى نفذ الطعام والشراب، ولم تجزع ولم تيأس، وظلت صابرة في انتظار فرج الله ورحمته، وجاءها الفرج الذي كانت متأكدة أنه سيأتي، وإذا بجبريل يناديها من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم، قال فإلى من وكلكما في هذا المكان القفر؟ قالت: وكلنا إلى الله، قال: وكلكما إذن إلى الرؤوف الرحيم، ونظرت هاجر إلى الطفل، فإذا الماء ينبثق من بين أصابعه متدفقاً فواراً، فكبرت هاجر وانكبت على الماء تحوشه بيدها وجعلت تغرف منه في سقائها.

ومرت عليها قبيلة جرهم التي كانت تسير عبر الصحراء متجهة إلى الشمال، فرأوا طائراً يحلق فوق زمزم، فقال قائلهم: لا شك أن هاهنا ماءً قريباً، فإن الطيور لا تحلق إلا حيث يكون الماء، فأرسلوا واردهم يبحث عن ذلك الماء، حتى اهتدى إلى مكان النبع، فانقلب إلى أصحابه يبشرهم فأقبلوا مسرعين، فلما رأوا هاجر استأذنوها في النزول عند مائها فأذنت لهم فنزلوا.

وهكذا نزلت قبيلة جرهم عند ماء زمزم، وأنست بهم هاجر وأنسوا بها، وشبّ إسماعيل بينهم، وتعلم منهم لغة العرب، وعندما كبر تزوج إحدى بناتهم.

وأشار الدكتور عمر إلى أن الإنسان الذي لا يحب الله ولا يتقي رب العباد، يستغل قوته في البطش وهتك أعراض الناس وسرقة مالهم وحقوقهم.

وفي ختام المحاضرة أوضح أن الله يحب المتقين المتوكلين، والصائمين والمستغفرين بالأسحار، والذين يعفون عن الناس والذين يدفعون بالتي هي أحسن، ويحب الذاكرين والذاكرات، والقانتين والقانتات، فإذا أجمل الإنسان ما يحب رب العباد دخل في محبته، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحب الخلق الحسن والتواضع، وقال عليه الصلاة والسلام (ألا أخبركم بأحبِّكم إليّ وأقربِكم مني مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلي المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبراء العيب).

دبي ـ سامية الحمودي