لابد للمسلم قبل وأثناء هذا الشهر الكريم من وقفة يحاسب فيها نفسه، ويقف على أخطائه فيصححها حتى إذا دخل الشهر كان سليم القلب والسريرة ولا يحصل ذلك إلا بالتوبة.

فإن المتأمل في هذه حقيقة هذه الحياة الدنيا علم سرعة مضي الأعمار، فما أشبه الليلة بالبارحة، فالأيام تمر مر السحاب كأنها ثوان، فقد استقبلنا رمضان في العام الماضي ثم ودعناه، وما هي إلا فترة من الزمن قليلة إذ بنا نستقبل رمضان مرة أخرى، عام كامل... عام كامل... بأيامه ولياليه قد قوض خيامه وطوى بساطه وشد رحاله، مر علينا وكأنها شربة ماء، أو كأنه طيف خيال أو حلم قصير بما قدمنا فيه من خير أو شر، لقد رحل هذا العام، (وكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)، عام كامل بأيامه ولياليه، قد تصرمت أيامه وتفرقت أوصاله.

وذلك بأفراحه وأتراحه، فالله يقلب الليل والنهار، وهما يتعاقبان علينا ويطلب بعضهما بعضا طلبا حثيثا، كما قال تعالى: (يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره الا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين). وصدق الله حيث يقول: (وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء). فالأيام تطوى والأعمار تفنى، وإن في سرعة مضي الليل والنهار، ومرور الشهور والأعوام ما يذكر العاقل اللبيب بسرعة تصرم الأعمار، وقرب حلول الآجال، وبغتة ساعة الارتحال.

وإن سرعة مضي الأيام والليالي ليدلنا على قرب الساعة وأننا في آخر الزمان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار). رواه أحمد والترمذي. فيمر اليوم بعد اليوم، والشهر بعد الشهر، والعام بعد العام، ونحن في سبات غافلون فكل يوم تستكمله يدنيك من أجلك ويقصيك عن عملك، ويقربك من أخرتك، وغداً توفى النفوس ما عملت ويحصد الزارعون ما زرعوا، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم وإن أساءوا فبئس ما صنعوا، يقول الله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) .

روي عن الحسن البصري أنه قال: (ما من يوم ينشق فجره إلا نادى مناد من الله: يا ابن آدم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني بصالح العمل، فإني لا أعود إلى يوم القيامة) .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أصحاب الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل) .

فالواجب على المسلم أن يعرف قيمة الوقت ونعمة العمر، وذلك بأن يحمد الله ويشكره على هذه النعمة، والشكر يكون باستغلال الأوقات في طاعة خالق الأرض والسماوات.

رئيس قسم الرقابة والتوجيه بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي