التسابق بين المسلمين نحو الطعام والشراب ومشاهدة الفضائيات والسهر على المقاهي حتى الصباح أصبح سمة أساسية في سلوكيات المسلمين خلال شهر رمضان، الأمر الذي من شأنه تفريغ هذا الشهر العظيم من روحانياته وأهدافه السامية بالتقرب إلى الله قدر المستطاع.. والتساؤل كيف يمكن أن نتجاوز هذه السلوكيات السلبية لنرتقي إلى ما هو أفضل وهو ابتغاء وجه الله.. حول هذا التساؤل وغيره من التساؤلات يأتي هذا الحوار مع د.محمود يوسف كريت، رئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين جامعة الأزهر.. فإلى التفاصيل.
كيف يمكن أن يحقق المسلم الاستفادة القصوى من شهر رمضان؟
قبل تحديد معالم معايشة المسلم لشهر رمضان يجب التأكيد أن هذا الشهر هو شهر التقوى فالله سبحانه يقول: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، وبالتالي فالتقوى هي الحكمة الأساسية من فريضة الصوم التي اختص بها شهر رمضان عن الأشهر الأخرى.. من هذا المنطلق يجب أن تكون سلوكيات المسلم متجهة إلى تحقيق التقوى، والتقرب إلى الله، وهذا يتحقق من خلال الابتعاد عن كل ما يمكن أن يؤثر في ثواب الصيام مثل النميمة والغيبة؛ إضافة إلى الالتزام بأداء الصلاة في أوقاتها، والإكثار من قيام الليل، وقراءة القرآن، والإحسان إلى الفقراء وصلة الرحم.
البذخ أصبح سمة من سمات سلوكيات المسلمين في شهر رمضان.. ما رأيك؟
البذخ أمر نهانا عنه الله سبحانه وتعالى سواء في رمضان أم غيره من الشهور؛ لقوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا}، وإذا كان الأمر كذلك؛ فالأولى بالمسلم أن يبتعد عن التبذير خلال شهر رمضان باعتباره فرصة للتوبة والتقرب لله تعالى، وليس للتسابق في شراء المأكل والمشرب.
أصحاب المهن الشاقة الذين لا يستطيعون الصيام ماذا عنهم؟
لقد أباح الإسلام لأصحاب هذه المهن الفطر مقابل القضاء بعد ذلك، ومن لم يستطع فعليه الفدية، وهي تُعطى للفقراء.
هناك من أباح لأصحاب هذه المهن استخدام لاصق طبي لمنع الجوع والعطش أثناء الصيام.. ما رأيك؟
لا أعرف ما الأسانيد التي ارتكزت عليها هذه الفتوى التي تعتبر تحايلاً على شرع الله تعالى، وتفتح الباب لغير ذوي المهن الشاقة للعمل بها تحت ذريعة أن هذه اللواصق لا تبطل الصيام.
وهل هذا الأمر ينطبق أيضاً على النساء اللائي يلجأن لاستخدام عقاقير لتأخير الدورة الشهرية لإتمام صيام شهر رمضان؟
السيدة عائشة «رضي الله عنها»، قالت: «كنا نحيض في عهد النبي فيأمرنا بالفطر والقضاء بعد انتهاء رمضان».. وهذا يعني أن المرأة الحائض أو النفساء يسقط عنها التكليف لعدم المقدرة؛ وبالتالي يجب عليها الفطر، وقضاء الأيام التي أفطرتها بعد رمضان.. أما استخدام عقاقير معينة لتأخير الدورة الشهرية خلال شهر رمضان لإتمام صيام الشهر كله؛ فهذا نوع من العناد والغطرسة المرفوضة.
وماذا عن خروج المرأة لأداء صلاة التراويح بالمسجد؟
الرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، وبالتالي فلا يوجد مانع شرعي من خروج المرأة إلى صلاة التراويح على أن يكون ذلك وفق شروط وضوابط منها موافقة الزوج والالتزام بالزي الشرعي.
وهل الأمر ذاته ينطبق على اعتكاف المرأة؟
الأمر يختلف هنا؛ فالاعتكاف يحتاج إلى انقطاع المرأة عن بيتها، وترك زوجها وأولادها؛ أما الصلاة فالمرأة تخرج من بيتها، وتعود سريعًا؛ لذا فإنه لا يجوز اعتكاف المرأة في المسجد؛ نظرًا للآثار السلبية التي قد تترتب على تركها لبيتها وزوجها وأولادها.
بعد انتهاء شهر رمضان يبدأ المسلمون صيام الستة أيام من شهر شوال.. ما فضل صيام هذه الأيام؟
الرسول، صلى الله عليه وسلم، حث المسلمين على صيام هذه الأيام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر»، فصيام هذه الأيام سنة عند كثير من العلماء يحتسب فيها المسلم مع صيام أيام رمضان كأنه صام العام كله؛ حيث إنه بذلك يكون قد صام ستة وثلاثين يومًا، والحسنة بعشرة أمثالها أي ثلاثمئة وستين وهي عدد أيام السنة..
وقد لاحظ العلماء أن صيام هذه الأيام تكون بالنسبة لرمضان مثل صلاة السنة البعدية مع الفريضة في الصلاة، كما أن صيام شعبان مثل صلاة السنة القبلية مع الفريضة، وهذا يسد الخلل الذي يقع في فريضة الصوم، ويدل على قبول شهر رمضان إن شاء الله تعالى، لأن من علامة قبول الطاعة بالطاعة بعدها.
وهل يشترط التتابع في صوم هذه الأيام؟
لا يشترط ذلك حيث يمكن توزيعها على الشهر في الاثنين والخميس أو في الأيام البيض وسط الشهر، وإن كانت المبادرة بها بعد عيد الفطر أفضل.
يتزامن شهر رمضان هذا العام مع اشتداد وطأة الأزمة المالية العالمية.. هل يقدم الإسلام حلاً لهذه الأزمة؟
بالطبع الإسلام يقدم حلولاً لمثل هذه الأزمات الاقتصادية، ولكن يجب قبل تحديد هذه الحلول تحديد أسباب هذه الأزمة التي ألقت بانعكاساتها السلبية على جميع الاقتصادات العالمية بما فيها اقتصادات الدول الإسلامية؛ فجزء من أسباب هذه الأزمة يرجع إلى قواعد النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي يقوم على الربا والظلم الاجتماعي، وعدم مراعاة حاجة الفقير، والمضاربة والمغامرة في البورصات دون مراعاة لأي اعتبارات مجتمعية..
والإسلام يتجاوز بتعاليمه هذه الأمور التي قد تهدد استقرار المجتمعات حيث تقوم مبادئ الإسلام في المعاملات الاقتصادية على مبادئ عدم المتاجرة بالفقراء والمحتاجين من خلال رفض الربا رفضًا قاطعًا؛ إضافة إلى الابتعاد عن الابتزاز، فضلاً عن وجود مبدأ آخر تنص عليه تعاليم الإسلام هو اقتسام الربح والخسارة، وليس كما هو الحال الآن حيث توجد قيمة معينة للفائدة بغض النظر عن المكسب والخسارة.
يأتي شهر رمضان أيضاً في وقت مازال فيه الهجوم على الإسلام مستمرًا.. أين الأزهر من ذلك؟
الأزهر يقوم بدوره جيدًا في هذا الأمر من حيث التبليغ وبيان سبل مواجهة هذا الهجوم؛ إلا أنه لا يستطيع مواجهته منفردًا؛ فهناك جهات أخرى يجب أن تعاون الأزهر في هذا الأمر الذي زادت حدته في السنوات الأخيرة لأسباب كثيرة بعضها يرجع للغرب، وبعضها ؟ للأسف ؟
يرجع للمسلمين أنفسهم؛ فالأسباب التي ترجع للغرب تكمن في كراهيتهم للإسلام، ورغبتهم في استنزاف ثروات الشعوب الإسلامية، ومحاولة تغيير حقيقة الإسلام بما تهوى أنفسهم سواء في المعاملات أم الحدود أم المواريث..
أما الأسباب التي ترجع للمسلمين أنفسهم فتتركز في اختلاف المسلمين، ورغبة الكثير منهم في تقليد الغرب في أفكاره ومبادئه دون تأمل أو تبصر.
هل تعتقد أن جزءًا من مواجهة الهجوم على الإسلام يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتجديد الخطاب الديني؟
بالطبع تجديد الخطاب الديني أمر ضروري لمواجهة هذا الهجوم، وذلك من خلال عدة صور أهمها قيام علماء الأمة، أو من بيدهم رخصة الاجتهاد، بمعالجة ما يستجد من مشاكل وقضايا لم تكن موجودة من قبل، وإعلانها على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
